تفسير القرطبي

سورة النحل الآية ٩٥

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩٥﴾
نَهَى عَنْ الرُّشَا وَأَخْذ الْأَمْوَال عَلَى نَقْض الْعَهْد ; أَيْ لَا تَنْقُضُوا عُهُودكُمْ لِعَرَضٍ قَلِيل مِنْ الدُّنْيَا . وَإِنَّمَا كَانَ قَلِيلًا وَإِنْ كَثُرَ لِأَنَّهُ مِمَّا يَزُول , فَهُوَ عَلَى التَّحْقِيق قَلِيل , وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة " وَلَا تَشْتَرُوا . .. " نَزَلَتْ فِي اِمْرِئِ الْقَيْس بْن عَابِس الْكِنْدِيّ وَخَصْمه اِبْن أَسْوع , اِخْتَصَمَا فِي أَرْض فَأَرَادَ اِمْرُؤُ الْقَيْس أَنْ يَحْلِف فَلَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَة نَكَلَ وَأَقَرَّ لَهُ بِحَقِّهِ ; وَاَللَّه أَعْلَم .
يحذر تعالى عباده, من نقض العهود, والأيمان لأجل متاع الدنيا وحطامها فقال: " وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا " تنالونه بالنقض وعدم الوفاء.
" إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ " من الثواب العاجل والآجل, لمن آثر رضاه, وأوفى بما عاهد عليه الله " هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ " من حطام الدنيا الزائلة " إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " .
ولا تنقضوا عهد الله؛ لتستبدلوا مكانه عرضًا قليلا من متاع الدنيا، إن ما عند الله من الثواب على الوفاء أفضل لكم من هذا الثمن القليل، إن كنتم من أهل العلم، فتدبَّروا الفرق بين خيْرَي الدنيا والآخرة.
"وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا" مِنْ الدُّنْيَا بِأَنْ تَنْقُضُوهُ لِأَجْلِهِ "إنَّمَا عِنْد اللَّه" مِنْ الثَّوَاب "هُوَ خَيْر لَكُمْ" مِمَّا فِي الدُّنْيَا "إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" ذَلِكَ فَلَا تَنْقُضُوا
ثُمَّ قَالَ " وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا " أَيْ لَا تَعْتَاضُوا عَنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ عَرَض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا فَإِنَّهَا قَلِيلَة لَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَم الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْد اللَّه هُوَ خَيْر لَهُ ; أَيْ جَزَاء اللَّه وَثَوَابه خَيْر لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ وَطَلَبَهُ وَحَفِظَ عَهْده رَجَاء مَوْعُوده وَلِهَذَا قَالَ " إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْد اللَّه هُوَ خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَنْقُضُوا عُهُودكُمْ أَيّهَا النَّاس وَعُقُودكُمْ الَّتِي عَاقَدُّتمُوهَا مِنْ عَاقَدْتُمْ مُؤَكِّدِيهَا بِأَيْمَانِكُمْ , تَطْلُبُونَ بِنَقْضِكُمْ ذَلِكَ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلًا ; وَلَكِنْ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ يَثِبكُمْ اللَّه عَلَى الْوَفَاء بِهِ , فَإِنَّ مَا عِنْد اللَّه مِنْ الثَّوَاب لَكُمْ عَلَى الْوَفَاء بِذَلِكَ هُوَ خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْل مَا بَيْن الْعِوَضَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدهمَا الثَّمَن الْقَلِيل الَّذِي تَشْتَرُونَ بِنَقْضِ عَهْد اللَّه فِي الدُّنْيَا ; وَالْآخَر الثَّوَاب الْجَزِيل فِي الْآخِرَة عَلَى الْوَفَاء بِهِ .
مشاركة الموضوع