تفسير القرطبي

سورة النحل الآية ٨٤

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿٨٤﴾
نَظِيره : " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ " [ النِّسَاء : 41 ] ذَكَرَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : حَدَّثَنَا الْخَلِيل بْن أَحْمَد قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن مَنِيع قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْل عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد بْن فَضَالَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظُفْر فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَة الَّتِي فِي بَنِي ظُفْر وَمَعَهُ اِبْن مَسْعُود وَمُعَاذ وَنَاس مِنْ أَصْحَابه فَأَمَرَ قَارِئًا يَقْرَأ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى آيَة " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا " بَكَى رَسُول اللَّه صَلَّى حَتَّى اِخْضَلَّتْ وَجْنَتَاهُ ; فَقَالَ : ( يَا رَبّ هَذَا عَلَى مَنْ أَنَا بَيْن ظَهْرَانَيْهِمْ فَكَيْفَ مَنْ لَمْ أَرَهُمْ ) . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ . قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى : ( اِقْرَأْ عَلَيَّ ) قُلْت : أَقْرَأ عَلَيْك وَعَلَيْك أُنْزِلَ ؟ قَالَ : ( إِنِّي أُحِبّ أَنْ أَسْمَعهُ مِنْ غَيْرِي ) فَقَرَأْت عَلَيْهِ سُورَة [ النِّسَاء ] حَتَّى بَلَغْت " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا " قَالَ : ( أَمْسِكْ ) فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَقَالَ بَدَل قَوْله ( أَمْسِكْ ) : فَرَفَعْت رَأْسِي - أَوْ غَمَزَنِي رَجُل إِلَى جَنْبِي - فَرَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت دُمُوعه تَسِيل . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : بُكَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ لِعَظِيمِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَة مِنْ هَوْل الْمَطْلَع وَشِدَّة الْأَمْر ; إِذْ يُؤْتَى بِالْأَنْبِيَاءِ شُهَدَاء عَلَى أُمَمهمْ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيب , وَيُؤْتَى بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدًا . وَهَذَا اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّوْبِيخ . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى جَمِيع أُمَّته . ذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك أَخْبَرَنَا رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَنْ الْمِنْهَال بْن عُمَر وَحَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقُول : لَيْسَ مِنْ يَوْم إِلَّا تُعْرَض عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته غَدْوَة وَعَشِيَّة فَيَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالهمْ فَلِذَلِكَ يَشْهَد عَلَيْهِمْ ; يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ " يَعْنِي بِنَبِيِّهَا .


أَيْ فِي الِاعْتِذَار وَالْكَلَام ; كَقَوْلِهِ : " وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " [ الْمُرْسَلَات : 36 ] . وَذَلِكَ حِين تُطْبَق عَلَيْهِمْ جَهَنَّم , كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل [ الْحِجْر ] وَيَأْتِي .



يَعْنِي يَسْتَرْضُونَ , أَيْ لَا يُكَلَّفُونَ أَنْ يُرْضُوا رَبّهمْ ; لِأَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيف , وَلَا يُتْرَكُونَ إِلَى رُجُوع الدُّنْيَا فَيَتُوبُونَ . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الْعَتْب وَهِيَ الْمَوْجِدَة ; يُقَال : عَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتِب إِذَا وَجَدَ عَلَيْهِ , فَإِذَا فَاوَضَهُ مَا عَتَبَ عَلَيْهِ فِيهِ قِيلَ عَاتَبَهُ , فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَسَرَّتك فَقَدْ أَعْتَبَ , وَالِاسْم الْعُتْبَى وَهُوَ رُجُوع الْمَعْتُوب عَلَيْهِ إِلَى مَا يُرْضِي الْعَاتِب ; قَالَهُ الْهَرَوِيّ . وَقَالَ النَّابِغَة : فَإِنْ كُنْت مَظْلُومًا فَعَبْدًا ظَلَمْته وَإِنْ كُنْت ذَا عُتْبَى فَمِثْلك يُعْتِب
يخبر تعالى, عن حال هؤلاء الذين كفروا في يوم القيامة, وأنه لا يقبل لهم عذر, ولا يرفع عنهم العقاب, وأن شركاءهم تتبرأ منهم, ويقرون على أنفسهم بالكفر والافتراء على الله, فقال: " وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا " يشهد عليهم بأعمالهم, وماذا أجابوا به الداعي إلى الهدى, وذلك الشهيد الذي يبعثه الله, أزكى الشهداء وأعدلهم, وهم: الرسل الذين إذا شهدوا تم عليهم الحكم.
" ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا " في الاعتذار, لأن اعتذارهم بعد ما علموا يقينا, بطلان ما هم عليه, اعتذار كاذب, لا يفيدهم شيئا.
وإن طلبوا أيضا الرجوع إلى الدنيا, ليستدركوا, لم يجابوا, ولم يعتبروا.
بل يبادرهم العذاب الشديد, الذي, لا يخفف عنهم من غير إنظار ولا إمهال, من حين يرونه, لأنهم لا حسنات لهم, وإنما تعد أعمالهم وتحصى, ويوقفون عليها ويقرون بها, ويفتضحون
واذكر لهم -أيها الرسول- ما يكون يوم القيامة، حين نبعث من كل أمة رسولها شاهدًا على إيمان من آمن منها، وكُفْر مَن كَفَر، ثم لا يُؤذن للذين كفروا بالاعتذار عما وقع منهم، ولا يُطْلب منهم إرضاءُ ربهم بالتوبة والعمل الصالح، فقد مضى أوان ذلك.
"وَ" اذْكُرْ "يَوْم نَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا" هُوَ نَبِيّهَا يَشْهَد لَهَا وَعَلَيْهَا وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "ثُمَّ لَا يُؤْذَن لِلَّذِينَ كَفَرُوا" فِي الِاعْتِذَار "وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ" لَا يُطْلَب مِنْهُمْ الْعُتْبَى أَيْ الرُّجُوع إلَى مَا يُرْضِي اللَّه
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ شَأْن الْمُشْرِكِينَ يَوْم مَعَادهمْ فِي الدَّار الْآخِرَة وَأَنَّهُ يَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا وَهُوَ نَبِيّهَا يَشْهَد عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ فِيمَا بَلَّغَهَا عَنْ اللَّه تَعَالَى " ثُمَّ لَا يُؤْذَن لِلَّذِينَ كَفَرُوا " أَيْ فِي الِاعْتِذَار لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَانه وَكَذِبه كَقَوْلِهِ " هَذَا يَوْم لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " فَلِهَذَا قَالَ " وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم نَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا الْيَوْم وَيَسْتَنْكِرُونَ { يَوْم نَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } وَهُوَ الشَّاهِد عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْ دَاعِي اللَّه , وَهُوَ رَسُولهمْ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16487 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَوْم نَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } وَشَاهِدهَا نَبِيّهَا , عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَات رَبّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَجِئْنَا بِك شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ }

{ ثُمَّ لَا يُؤْذَن لِلَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : ثُمَّ لَا يُؤْذَن لِلَّذِينَ كَفَرُوا فِي الِاعْتِذَار , فَيَعْتَذِرُوا مِمَّا كَانُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ يَكْفُرُونَ .

{ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } فَيَتْرُكُوا الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا فَيُنِيبُوا وَيَتُوبُوا ; وَذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { هَذَا يَوْم لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } 77 35 : 36
مشاركة الموضوع