تفسير القرطبي

سورة النحل الآية ٨٢

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿٨٢﴾
أَيْ أَعْرَضُوا عَنْ النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال وَالْإِيمَان .


أَيْ لَيْسَ عَلَيْك إِلَّا التَّبْلِيغ , وَأَمَّا الْهِدَايَة فَإِلَيْنَا .
" فَإِنْ تَوَلَّوْا " عن الله, وعن طاعته, بعد ما ذكروا بنعمه وآياته.
" فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " ليس عليك من هدايتهم, وتوفيقهم شيء بل أنت مطالب بالوعظ والتذكير, والإنذار والتحذير.
فإذا أديت ما عليك, فحسابهم على الله, فإنهم يرون الإحسان, ويعرفون نعمة الله, ولكنهم بنكرونها ويجحدونها.
فإن أعرضوا عنك -أيها الرسول- بعدما رأوا من الآيات فلا تحزن، فما عليك إلا البلاغ الواضح لما أُرْسِلْتَ به، وأما الهداية فإلينا.
"فَإِنْ تَوَلَّوْا" أَعْرَضُوا عَنْ الْإِسْلَام "فَإِنَّمَا عَلَيْك" يَا مُحَمَّد "الْبَلَاغ الْمُبِين" الْإِبْلَاغ الْبَيِّن وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ
وَقَوْله " فَإِنْ تَوَلَّوْا " أَيْ بَعْد هَذَا الْبَيَان وَهَذَا الِامْتِنَان فَلَا عَلَيْك مِنْهُمْ " فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبِين " وَقَدْ أَدَّيْته إِلَيْهِمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنْ أَدْبَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّد عَمَّا أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ , فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَك وَأَعْرَضُوا عَنْهُ , فَمَا عَلَيْك مِنْ لَوْم وَلَا عَذْل ; لِأَنَّك قَدْ أَدَّيْت مَا عَلَيْك فِي ذَلِكَ , إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك إِلَّا بَلَاغهمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ { الْمُبِين } الَّذِي يُبَيِّن لِمَنْ سَمِعَهُ حَتَّى يَفْهَمهُ .
مشاركة الموضوع