تفسير القرطبي

سورة النحل الآية ٧٥

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾
نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى ضَلَالَة الْمُشْرِكِينَ , وَهُوَ مُنْتَظِم بِمَا قَبْله مِنْ ذِكْر نِعَم اللَّه عَلَيْهِمْ وَعَدَم مِثْل ذَلِكَ مِنْ آلِهَتهمْ . " ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا " أَيْ بَيَّنَ شَبَهًا ; ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ : " عَبْدًا مَمْلُوكًا " أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي عِنْدكُمْ عَبْد مَمْلُوك لَا يَقْدِر مِنْ أَمْره عَلَى شَيْء وَرَجُل حُرّ قَدْ رُزِقَ رِزْقًا حَسَنًا فَكَذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ الْأَصْنَام . فَاَلَّذِي هُوَ مِثَال فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ عَبْد بِهَذِهِ الصِّفَة مَمْلُوك لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء مِنْ الْمَال وَلَا مِنْ أَمْر نَفْسه , وَإِنَّمَا هُوَ مُسَخَّر بِإِرَادَةِ سَيِّده . وَلَا يَلْزَم مِنْ الْآيَة أَنَّ الْعَبِيد كُلّهمْ بِهَذِهِ الصِّفَة ; فَإِنَّ النَّكِرَة فِي الْإِثْبَات لَا تَقْتَضِي الشُّمُول عِنْد أَهْل اللِّسَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا تُفِيد وَاحِدًا , فَإِذَا كَانَتْ بَعْد أَمْر أَوْ نَهْي أَوْ مُضَافَة إِلَى مَصْدَر كَانَتْ لِلْعُمُومِ الشُّيُوعِيّ ; كَقَوْلِهِ : أَعْتِقْ رَجُلًا وَلَا تُهِنْ رَجُلًا , وَالْمَصْدَر كَإِعْتَاقِ رَقَبَة , فَأَيّ رَجُل أَعْتَقَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَة الْخِطَاب , وَيَصِحّ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاء . وَقَالَ قَتَادَة : هَذَا الْمَثَل لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر ; فَذَهَبَ قَتَادَة إِلَى أَنَّ الْعَبْد الْمَمْلُوك هُوَ الْكَافِر ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِع فِي الْآخِرَة بِشَيْءٍ مِنْ عِبَادَته , وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى " وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا " الْمُؤْمِن . وَالْأَوَّل عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . قَالَ الْأَصَمّ : الْمُرَاد بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوك الَّذِي رُبَّمَا يَكُون أَشَدّ مِنْ مَوْلَاهُ أَسْرًا وَأَنْضَر وَجْهًا , وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ذَلِيل لَا يَقْدِر إِلَّا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ضَرْبًا لِلْمِثَالِ . أَيْ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنكُمْ وَشَأْن عَبِيدكُمْ فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ أَحْجَارًا مَوَاتًا شُرَكَاء لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقه وَعِبَادَته , وَهِيَ لَا تَعْقِل وَلَا تَسْمَع .

فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْآيَة وَمِمَّا قَبْلهَا نُقْصَان رُتْبَة الْعَبْد عَنْ الْحُرّ فِي الْمِلْك , وَأَنَّهُ لَا يَمْلِك شَيْئًا وَإِنْ مُلِّكَ . قَالَ أَهْل الْعِرَاق : الرِّقّ يُنَافِي الْمِلْك , فَلَا يَمْلِك شَيْئًا أَلْبَتَّةَ بِحَالٍ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَمْلِك إِلَّا أَنَّهُ نَاقِص الْمِلْك , لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعهُ مِنْهُ أَيّ وَقْت شَاءَ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَمَنْ اِتَّبَعَهُ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . وَهُوَ قَوْل أَهْل الظَّاهِر ; وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا : لَا تَجِب عَلَيْهِ عِبَادَة الْأَمْوَال مِنْ زَكَاة وَكَفَّارَات , وَلَا مِنْ عِبَادَات الْأَبْدَان مَا يَقْطَعهُ عَنْ خِدْمَة سَيِّده كَالْحَجِّ وَالْجِهَاد وَغَيْر ذَلِكَ . وَفَائِدَة هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ سَيِّده لَوْ مَلَّكَهُ جَارِيَة جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا بِمِلْكِ الْيَمِين , وَلَوْ مَلَّكَهُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَم فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْل لَمْ تَجِب عَلَى السَّيِّد زَكَاتهَا لِأَنَّهَا مِلْك غَيْره , وَلَا عَلَى الْعَبْد لِأَنَّ مِلْكه غَيْر مُسْتَقِرّ . وَالْعِرَاقِيّ يَقُول : لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَطَأ الْجَارِيَة , وَالزَّكَاة فِي النِّصَاب وَاجِبَة عَلَى السَّيِّد كَمَا كَانَتْ . وَدَلَائِل هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كُتُب الْخِلَاف . وَأَدَلّ دَلِيل لَنَا قَوْله تَعَالَى : " اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ " [ الرُّوم : 40 ] فَسَوَّى بَيْن الْعَبْد وَالْحُرّ فِي الرِّزْق وَالْخَلْق . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَال . .. ) فَأَضَافَ الْمَال إِلَيْهِ . وَكَانَ اِبْن عُمَر يَرَى عَبْده يَتَسَرَّى فِي مَاله فَلَا يَعِيب عَلَيْهِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته طَلْقَتَيْنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْتَجِعهَا بِمِلْكِ الْيَمِين ; فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَمْلِك مَا بِيَدِهِ وَيَفْعَل فِيهِ مَا يَفْعَل الْمَالِك فِي مِلْكه مَا لَمْ يَنْتَزِعهُ سَيِّده . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ طَلَاق الْعَبْد بِيَدِ سَيِّده , وَعَلَى أَنَّ بَيْع الْأَمَة طَلَاقهَا ; مُعَوِّلًا عَلَى قَوْله تَعَالَى : " لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء " . قَالَ : فَظَاهِره يُفِيد أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء أَصْلًا , لَا عَلَى الْمِلْك وَلَا عَلَى غَيْره فَهُوَ عَلَى عُمُومه , إِلَّا أَنْ يَدُلّ دَلِيل عَلَى خِلَافه . وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس مَا يَدُلّ عَلَى التَّخْصِيص . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .

قَالَ أَبُو مَنْصُور فِي عَقِيدَته : الرِّزْق مَا وَقَعَ الِاغْتِذَاء بِهِ . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ هَذَا التَّخْصِيص ; وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " [ الْبَقَرَة : 3 ] . و " أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ " [ الْبَقَرَة : 254 ] وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جُعِلَ رِزْقِي تَحْت ظِلّ رُمْحِي ) وَقَوْله : ( أَرْزَاق أُمَّتِي فِي سَنَابِك خَيْلهَا وَأَسِنَّة رِمَاحهَا ) . فَالْغَنِيمَة كُلّهَا رِزْق , وَكُلّ مَا صَحَّ بِهِ الِانْتِفَاع فَهُوَ رِزْق , وَهُوَ مَرَاتِب : أَعْلَاهَا مَا يُغَذِّي . وَقَدْ حَصَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوه الِانْتِفَاع فِي قَوْله : ( يَقُول اِبْن آدَم مَالِي مَالِي وَهَلْ لَك مِنْ مَالِك إِلَّا مَا أَكَلْت فَأَفْنَيْت أَوْ لَبِسْت فَأَبْلَيْت أَوْ تَصَدَّقْت فَأَمْضَيْت ) . وَفِي مَعْنَى اللِّبَاس يَدْخُل الرُّكُوب وَغَيْر ذَلِكَ . وَفِي أَلْسِنَة الْمُحَدِّثِينَ : السَّمَاع رِزْق , يَعْنُونَ سَمَاع الْحَدِيث , وَهُوَ صَحِيح .


هُوَ الْمُؤْمِن , يُطِيع اللَّه فِي نَفْسه وَمَاله . وَالْكَافِر مَا لَمْ يُنْفِق فِي الطَّاعَة صَارَ كَالْعَبْدِ الَّذِي لَا يَمْلِك شَيْئًا .


أَيْ لَا يَسْتَوُونَ , وَلَمْ يَقُلْ يَسْتَوِيَانِ لِمَكَانِ " مَنْ " لِأَنَّهُ اِسْم مُبْهَم يَصْلُح لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث . وَقِيلَ : " إِنَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا " , " وَمَنْ رَزَقْنَاهُ " أُرِيدَ بِهِمَا الشُّيُوع فِي الْجِنْس .



أَيْ هُوَ مُسْتَحِقّ لِلْحَمْدِ دُون مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونه ; إِذْ لَا نِعْمَة لِلْأَصْنَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ يَد وَلَا مَعْرُوف فَتُحْمَد عَلَيْهِ , إِنَّمَا الْحَمْد الْكَامِل لِلَّهِ ; لِأَنَّهُ الْمُنْعِم الْخَالِق .


أَيْ أَكْثَر الْمُشْرِكِينَ .



أَنَّ الْحَمْد لِي , وَجَمِيع النِّعْمَة مِنِّي . وَذَكَرَ الْأَكْثَر وَهُوَ يُرِيد الْجَمِيع , فَهُوَ خَاصّ أُرِيدَ بِهِ التَّعْمِيم . وَقِيلَ : أَيْ بَلْ أَكْثَر الْخَلْق لَا يَعْلَمُونَ , وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرهمْ الْمُشْرِكُونَ .
ضرب الله مثلا بيَّن فيه فساد عقيدة أهل الشرك: رجلا مملوكًا عاجزًا عن التصرف لا يملك شيئًا، ورجلا آخر حرًا، له مال حلال رزَقَه الله به، يملك التصرف فيه، ويعطي منه في الخفاء والعلن، فهل يقول عاقل بالتساوي بين الرجلين؟ فكذلك الله الخالق المالك المتصرف لا يستوي مع خلقه وعبيده، فكيف تُسَوُّون بينهما؟ الحمد لله وحده، فهو المستحق للحمد والثناء، بل أكثر المشركين لا يعلمون أن الحمد والنعمة لله، وأنه وحده المستحق للعبادة.
"ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا" وَيُبْدَل مِنْهُ "عَبْدًا" "عَبْدًا مَمْلُوكًا" صِفَة تُمَيِّزهُ مِنْ الْحُرّ فَإِنَّهُ عَبْد اللَّه "لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء" لِعَدَمِ مِلْكه "وَمَنْ" نَكِرَة مَوْصُوفَة أَيْ حُرًّا "رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا" أَيْ يَتَصَرَّف فِيهِ كَيْفَ يَشَاء وَالْأَوَّل مَثَل الْأَصْنَامِ وَالثَّانِي مَثَلُهُ تَعَالَى "هَلْ يَسْتَوُونَ" أَيْ الْعَبِيد الْعَجَزَة وَالْحُرّ الْمُتَصَرِّف ؟ لَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ" وَحْده "بَلْ أَكْثَرهمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "لَا يَعْلَمُونَ" مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ الْعَذَاب فَيُشْرِكُونَ
قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِن وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير فَالْعَبْد الْمَمْلُوك الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء مِثْل الْكَافِر وَالْمَرْزُوق الرِّزْق الْحَسَن فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هُوَ الْمُؤْمِن . وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : هُوَ مَثَل مَضْرُوب لِلْوَثَنِ وَلِلْحَقِّ تَعَالَى فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا ؟ وَلَمَّا كَانَ الْفَرْق بَيْنهمَا ظَاهِرًا وَاضِحًا بَيِّنًا لَا يَجْهَلهُ إِلَّا كُلّ غَبِيّ قَالَ اللَّه تَعَالَى " الْحَمْد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَشَبَّهَ لَكُمْ شَبَهًا أَيّهَا النَّاس لِلْكَافِرِ مِنْ عَبِيده , وَالْمُؤْمِن بِهِ مِنْهُمْ . فَأَمَّا مَثَل الْكَافِر : فَإِنَّهُ لَا يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه , وَلَا يَأْتِي خَيْرًا , وَلَا يُنْفِق فِي شَيْء مِنْ سَبِيل اللَّه مَاله لِغَلَبَةِ خِذْلَان اللَّه عَلَيْهِ , كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوك الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء فَيُنْفِقهُ . وَأَمَّا الْمُؤْمِن بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه وَيُنْفِق فِي سَبِيله مَاله كَالْحُرِّ الَّذِي آتَاهُ اللَّه مَالًا فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا , يَقُول : بِعِلْمٍ مِنْ النَّاس وَغَيْر عِلْم . { هَلْ يَسْتَوُونَ } يَقُول هَلْ يَسْتَوِي الْعَبْد الَّذِي لَا يَمْلِك شَيْئًا وَلَا يَقْدِر عَلَيْهِ , وَهَذَا الْحُرّ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّه رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِق كَمَا وَصَفَ ؟ فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِر الْعَامِل بِمَعَاصِي اللَّه الْمُخَالِف أَمْره وَالْمُؤْمِن الْعَامِل بِطَاعَتِهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16459 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْكَافِرِ , رَزَقَهُ مَالًا فَلَمْ يُقَدِّم فِيهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْمَل فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } فَهَذَا الْمُؤْمِن أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا , فَعَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّه وَأَخَذَ بِالشُّكْرِ وَمَعْرِفَة حَقّ اللَّه , فَأَثَابَهُ اللَّه عَلَى مَا رَزَقَهُ الرِّزْق الْمُقِيم الدَّائِم لِأَهْلِهِ فِي الْجَنَّة , قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا } 11 24 وَاَللَّه مَا يَسْتَوِيَانِ : { الْحَمْد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } 16460 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } قَالَ : هُوَ الْكَافِر لَا يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه وَلَا يُنْفِق خَيْرًا ; { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } قَالَ : الْمُؤْمِن يُطِيع اللَّه فِي نَفْسه وَمَاله . 16461 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } يَعْنِي : الْكَافِر أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُنْفِق نَفَقَة فِي سَبِيل اللَّه ; { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا } يَعْنِي الْمُؤْمِن , وَهَذَا الْمَثَل فِي النَّفَقَة . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول : ضَرَبَ اللَّه هَذَا الْمَثَل , وَالْمَثَل الْآخَر بَعْده لِنَفْسِهِ , وَالْآلِهَة الَّتِي تُعْبَد مِنْ دُونه .

وَقَوْله : { الْحَمْد لِلَّهِ } يَقُول : الْحَمْد الْكَامِل لِلَّهِ خَالِصًا دُون مَا تَدْعُونَ أَيّهَا الْقَوْم مِنْ دُونه مِنْ الْأَوْثَان فَإِيَّاهُ فَاحْمَدُوا دُونهَا .

وَقَوْله : { بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول : مَا الْأَمْر كَمَا تَفْعَلُونَ , وَلَا الْقَوْل كَمَا تَقُولُونَ , مَا لِلْأَوْثَانِ عِنْدهمْ مِنْ يَد وَلَا مَعْرُوف فَتُحْمَد عَلَيْهِ , إِنَّمَا الْحَمْد لِلَّهِ ; وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة الَّذِينَ يَعْبُدُونَهَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ يَجْعَلُونَهَا لِلَّهِ شُرَكَاء فِي الْعِبَادَة وَالْحَمْد .
مشاركة الموضوع