تفسير القرطبي

سورة النحل الآية ٤

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿٤﴾
لَمَّا ذَكَرَ الدَّلِيل عَلَى تَوْحِيده ذَكَرَ بَعْده الْإِنْسَان وَمُنَاكَدَته وَتَعَدِّي طَوْره . و " الْإِنْسَان " اِسْم لِلْجِنْسِ . وَرُوِيَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أُبَيّ بْن خَلَف الْجُمَحِيّ , جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ رَمِيم فَقَالَ : أَتَرَى يُحْيِي اللَّه هَذَا بَعْد مَا قَدْ رَمَّ . وَفِي هَذَا أَيْضًا نَزَلَ " أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين " [ يس : 77 ] أَيْ خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ مَاء يَخْرُج مِنْ بَيْن الصُّلْب وَالتَّرَائِب , فَنَقَلَهُ أَطْوَارًا إِلَى أَنْ وُلِدَ وَنَشَأَ بِحَيْثُ يُخَاصِم فِي الْأُمُور . فَمَعْنَى الْكَلَام التَّعَجُّب مِنْ الْإِنْسَان " وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقه " [ يس : 78 ]


أَيْ مُخَاصِم , كَالنَّسِيبِ بِمَعْنَى الْمُنَاسِب . أَيْ يُخَاصِم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي قُدْرَته .


أَيْ ظَاهِر الْخُصُومَة . وَقِيلَ : يُبَيِّن عَنْ نَفْسه الْخُصُومَة بِالْبَاطِلِ . وَالْمُبِين : هُوَ الْمُفْصِح عَمَّا فِي ضَمِيره بِمَنْطِقِهِ .
وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: " خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ " لم يزل يدبرها, ويربيها, وينميها, حتى صارت بشرا تاما, كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة.
قد غمره بنعمه الغزيرة, حتى إذا استتم, فخر بنفسه وأعجب بها " فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ " .
يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه, يكفر به, ويجادل رسله, ويكذب بآياته.
ونسي خلقه الأول, وما أنعم الله عليه به, من النعم, فاستعان بها على معاصيه.
ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة.
ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور, حتى صار عاقلا متكلما, ذا ذهن ورأي, يخاصم ويجادل.
فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال, التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها.
خَلَق الإنسان من ماء مهين فإذا به يَقْوى ويغترُّ، فيصبح شديد الخصومة والجدال لربه في إنكار البعث، وغير ذلك، كقوله: "مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ"، ونسي الله الذي خلقه من العدم.
"خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ نُطْفَة" مَنِيّ إلَى أَنْ صَيَّرَهُ قَوِيًّا شَدِيدًا "فَإِذَا هُوَ خَصِيم" شَدِيد الْخُصُومَة "مُبِين" بَيَّنَهَا فِي نَفْي الْبَعْث قَائِلًا "مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم"
ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى خَلْق جِنْس الْإِنْسَان مِنْ نُطْفَة أَيْ مَهِينَة ضَعِيفَة فَلَمَّا اِسْتَقَلَّ وَدَرَجَ إِذَا هُوَ يُخَاصِم رَبّه تَعَالَى وَيُكَذِّبهُ وَيُحَارِب رُسُله وَهُوَ إِنَّمَا خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لَا ضِدًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبّك قَدِيرًا وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعهُمْ وَلَا يَضُرّهُمْ وَكَانَ الْكَافِر عَلَى رَبّه ظَهِيرًا " وَقَوْله " أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقه قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّل مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم " وَفِي الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ عَنْ بِشْر بْن جَحَّاش قَالَ : بَصَقَ رَسُول اللَّه فِي كَفّه ثُمَّ قَالَ " يَقُول اللَّه تَعَالَى : اِبْن آدَم أَنَّى تُعْجِزنِي وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ مِثْل هَذِهِ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُك فَعَدَلْتُك مَشَيْت بَيْن بُرْدَيْك وَلِلْأَرْضِ مِنْك وَئِيد فَجَمَعْت وَمَنَعْت حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُوم قُلْت أَتَصَدَّق ؟ وَأَنَّى أَوَان الصَّدَقَة ؟ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَجه عَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيّهَا النَّاس , أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ نُطْفَة , فَأَحْدَثَ مِنْ مَاء مَهِين خَلْقًا عَجِيبًا , قَلَبَهُ تَارَات خَلْقًا بَعْد خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلَاث , ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى ضِيَاء الدُّنْيَا بَعْدَمَا تَمَّ خَلْقه وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوح , فَغَذَّاهُ وَرَزَقَهُ الْقُوت وَنَمَّاهُ , حَتَّى إِذَا اِسْتَوَى عَلَى سُوقه كَفَرَ بِنِعْمَةِ رَبّه وَجَحَدَ مُدَبِّره وَعَبَدَ مَنْ لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع وَخَاصَمَ إِلَهه فَقَالَ { مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم } 36 78 وَنَسِيَ الَّذِي خَلَقَهُ فَسَوَّاهُ خَلْقًا سَوِيًّا مِنْ مَاء مَهِين . وَيَعْنِي بِالْمُبِينِ : أَنَّهُ يُبِين عَنْ خُصُومَته بِمَنْطِقِهِ وَيُجَادِل بِلِسَانِهِ , فَذَلِكَ إِبَانَته . وَعَنَى بِالْإِنْسَانِ : جَمِيع النَّاس , أَخْرَجَ بِلَفْظِ الْوَاحِد وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيع .
مشاركة الموضوع