تفسير القرطبي

سورة النحل الآية ٣١

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿٣١﴾
بَدَلًا مِنْ الدَّار فَلِذَلِكَ اِرْتَفَعَ . وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ عَلَى تَقْدِير هِيَ جَنَّات , فَهِيَ مُبَيِّنَة لِقَوْلِهِ : " دَار الْمُتَّقِينَ " . أَوْ تَكُون مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ , التَّقْدِير : جَنَّات عَدْن نِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ .


فِي مَوْضِع الصِّفَة , أَيْ مَدْخُولَة . وَقِيلَ : " جَنَّات " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ , وَخَبَره " يَدْخُلُونَهَا " وَعَلَيْهِ يُخَرَّج قَوْل الْحَسَن . وَاَللَّه أَعْلَم .


فِي مَوْضِع النَّعْت لِجَنَّاتٍ وَهُوَ مَرْفُوع , لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل فَحُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ الْيَاء لِثِقَلِهَا مَعَهَا .


أَيْ مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا , وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر , لِأَنَّ الْجَنَّات دَالَّة عَلَيْهَا .



أَيْ مَاء الْأَنْهَار , فَنُسِبَ الْجَرْي إِلَى الْأَنْهَار تَوَسُّعًا , وَإِنَّمَا يَجْرِي الْمَاء وَحْده فَحُذِفَ اِخْتِصَارًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] أَيْ أَهْلهَا . وَقَالَ الشَّاعِر : نُبِّئْت أَنَّ النَّار بَعْدك أُوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدك يَا كُلَيْب الْمَجْلِس أَرَادَ : أَهْل الْمَجْلِس ; فَحَذَفَ . وَالنَّهَر : مَأْخُوذ مِنْ أَنْهَرْت , أَيْ وَسَّعْت , وَمِنْهُ قَوْل قَيْس بْن الْخُطَيْم : مَلَكْت بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْت فَتْقهَا يَرَى قَائِم مِنْ دُونهَا مَا وَرَاءَهَا أَيْ وَسَّعْتهَا , يَصِف طَعْنَة . وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلُوهُ ) . مَعْنَاهُ : مَا وَسَّعَ الذَّبْح حَتَّى يَجْرِي الدَّم كَالنَّهَرِ . وَجَمْع النَّهَر : نُهْر وَأَنْهَار . وَنَهَر نَهِر : كَثِير الْمَاء ; قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : أَقَامَتْ بِهِ فَابْتَنَتْ خَيْمَة عَلَى قَصَب وَفُرَات نَهِر وَرُوِيَ : أَنَّ أَنْهَار الْجَنَّة لَيْسَتْ فِي أَخَادِيد , إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى سَطْح الْجَنَّة مُنْضَبِطَة بِالْقُدْرَةِ حَيْثُ شَاءَ أَهْلهَا . وَالْوَقْف عَلَى " الْأَنْهَار " حَسَن وَلَيْسَ بِتَامٍّ ,



أَيْ مِمَّا تَمَنَّوْهُ وَأَرَادُوهُ .


أَيْ مِثْل هَذَا الْجَزَاء يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ .
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ " أي: مهما تمنت أنفسهم, وتعلقت به إرادتهم, حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها.
فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم, الذي فيه لذة القلوب, وسرور الأرواح, إلا وهو حاضر لديهم, ولهذا يعطي الله أهل الجنة, كل ما تمنوه عليه حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم, لم تخطر على قلوبهم.
فتبارك الذي, لا نهاية لكرمه, ولا حد لجوده, الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته, وصفات أفعاله, وآثار تلك النعوت, وعظمة الملك والملكوت.
" كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ " لسخط الله وعذابه, بأداء ما أوجبه عليهم, من الفروض, والواجبات, المتعلقة بالقلب, والبدن, واللسان, من حقه, وحق عباده, وترك ما نهاهم الله عنه.
جنات إقامة لهم، يستقرون فيها، لا يخرجون منها أبدًا، تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، لهم فيها كل ما تشتهيه أنفسهم، بمثل هذا الجزاء الطيب يجزي الله أهل خشيته وتقواه الذين تقبض الملائكةُ أرواحَهم، وقلوبُهم طاهرة من الكفر، تقول الملائكة لهم: سلام عليكم، تحية خاصة لكم وسلامة من كل آفة، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون من الإيمان بالله والانقياد لأمره.
"جَنَّات عَدْن" إقَامَة مُبْتَدَأ خَبَره "يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ" الْجَزَاء "يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ"
وَقَوْله " جَنَّات عَدْن " بَدَل مِنْ دَار الْمُتَّقِينَ أَيْ لَهُمْ فِي الْآخِرَة جَنَّات عَدْن أَيْ مَقَام يَدْخُلُونَهَا " تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار " أَيْ بَيْن أَشْجَارهَا وَقُصُورهَا " لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيه الْأَنْفُس وَتَلَذّ الْأَعْيُن وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " وَفِي الْحَدِيث " إِنَّ السَّحَابَة لَتَمُرّ بِالْمَلَإِ مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَهُمْ جُلُوس عَلَى شَرَابهمْ فَلَا يَشْتَهِي أَحَد مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَقُول أَمْطِرِينَا كَوَاعِب أَتْرَابًا فَيَكُون ذَلِكَ " " كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ " أَيْ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه كُلّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ وَأَحْسَنَ عَمَله .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { جَنَّات عَدْن } بَسَاتِين لِلْمَقَامِ , وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى عَدْن فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . { يَدْخُلُونَهَا } يَقُول : يَدْخُلُونَ جَنَّات عَدْن . وَفِي رَفْع " جَنَّات " أَوْجُه ثَلَاث : أَحَدهَا : أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَالْآخَر : بِالْعَائِدِ مِنْ الذِّكْر فِي قَوْله : " يَدْخُلُونَهَا " , وَالثَّالِث : عَلَى أَنْ يَكُون خَبَرًا لِنِعْمَ , فَيَكُون الْمَعْنَى إِذَا جُعِلَتْ خَبَرًا لِنِعْمَ : وَلَنِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ جَنَّات عَدْن , وَيَكُون " يَدْخُلُونَهَا " فِي مَوْضِع حَال , كَمَا يُقَال : نِعْمَ الدَّار دَار تَسْكُنهَا أَنْتَ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون إِذَا كَانَ الْكَلَام بِهَذَا التَّأْوِيل " يَدْخُلُونَهَا " مِنْ صِلَة " جَنَّات عَدْن " .

وَقَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار .

{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } يَقُول : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فِي جَنَّات عَدْن مَا يَشَاءُونَ مِمَّا تَشْتَهِي أَنْفُسهمْ وَتَلَذّ أَعْيُنهمْ .

{ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ } يَقُول : كَمَا يَجْزِي اللَّه هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَا وَصَفَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنَّهُ جَزَاهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , كَذَلِكَ يَجْزِي الَّذِينَ اِتَّقَوْهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه .
مشاركة الموضوع