تفسير القرطبي

سورة الحجر الآية ٨٢

وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ﴿٨٢﴾
النَّحْت فِي كَلَام الْعَرَب : الْبَرْي وَالنَّجْر . نَحَتَهُ يَنْحِتهُ ( بِالْكَسْرِ ) نَحْتًا أَيْ بَرَاهُ . وَالنُّحَاتَة الْبُرَايَة . وَالْمِنْحَت مَا يُنْحَت بِهِ . وَفِي التَّنْزِيل " أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ " [ الصَّافَّات : 95 ] أَيْ تَنْجُرُونَ وَتَصْنَعُونَ . فَكَانُوا يَتَّخِذُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا لِأَنْفُسِهِمْ بِشِدَّةِ قُوَّتهمْ .



أَيْ مِنْ أَنْ تَسْقُط عَلَيْهِمْ أَوْ تَخْرَب . وَقِيلَ : آمِنِينَ مِنْ الْمَوْت . وَقِيلَ : مِنْ الْعَذَاب .
" وَكَانُوا " - من كثرة إنعام الله عليهم - " يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ " من المخاوف مطمئنين في ديارهم.
فلو شكروا النعمة, وصدقوا نبيهم صالحا, عليه السلام, لأدر الله عليهم الأرزاق, ولأكرمهم بأنواع من الثواب العاجل والآجل.
ولكنهم - لما كذبوا, وعقروا الناقة, وعتوا عن أمر ربهم, وقالوا: " يا صالح ائتنا بما تعدنا, إن كنت من الصادقين " .
وكانوا ينحتون الجبال، فيتخذون منها بيوتًا، وهم آمنون من أن تسقط عليهم أو تخرب.
وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ " كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا آمِنِينَ" أَيْ مِنْ غَيْر خَوْف وَلَا اِحْتِيَاج إِلَيْهَا بَلْ أَشَرًا وَبَطَرًا وَعَبَثًا كَمَا هُوَ الْمُشَاهَد مِنْ صَنِيعهمْ فِي بُيُوتهمْ بِوَادِي الْحِجْر الَّذِي مَرَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ذَاهِب إِلَى تَبُوك فَقَنَعَ رَأْسه وَأَسْرَعَ دَابَّته وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ " لَا تَدْخُلُوا بُيُوت الْقَوْم الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا خَشْيَة أَنْ يُصِيبكُمْ مَا أَصَابَهُمْ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا آمِنِينَ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : وَكَانَ أَصْحَاب الْحِجْر , وَهُمْ ثَمُود قَوْم صَالِح , { يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا آمِنِينَ } مِنْ عَذَاب اللَّه , وَقِيلَ : آمِنِينَ مِنْ الْخَرَاب أَنْ تُخَرَّب بُيُوتهمْ الَّتِي نَحَتُوهَا مِنْ الْجِبَال , وَقِيلَ : آمِنِينَ مِنْ الْمَوْت .
مشاركة الموضوع