تفسير القرطبي

سورة الحجر الآية ٥٤

قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴿٥٤﴾
" أَنْ " مَصْدَرِيَّة ; أَيْ عَلَى مَسّ الْكِبَر إِيَّايَ وَزَوْجَتِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هُود وَإِبْرَاهِيم ,



اِسْتِفْهَام تَعَجُّب . وَقِيلَ : اِسْتِفْهَام حَقِيقِيّ . وَقَرَأَ الْحَسَن " تُوجَل " بِضَمِّ التَّاء . وَالْأَعْمَش " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ أَلِف , وَنَافِع وَشَيْبَة " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّون وَالتَّخْفِيف ; مِثْل , " أَتُحَاجُّونَنِي " وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيله . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن " تُبَشِّرُونِّ " بِكَسْرِ النُّون مُشَدَّدَة , تَقْدِيره تُبَشِّرُونَنِي , فَأُدْغِمَ النُّون فِي النُّون . الْبَاقُونَ " تُبَشِّرُونَ " بِنَصْبِ النُّون بِغَيْرِ إِضَافَة .
قال لهم متعجبا من هذه البشارة: " أَبَشَّرْتُمُونِي " بالولد " عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ " وصار نوع إياس منه " فَبِمَ تُبَشِّرُونَ " أي: على أي وجه تبشرون وقد عدمت الأسباب؟
قال إبراهيم متعجبًا: أبشَّرتموني بالولد، وأنا كبير وزوجتي كذلك، فبأي أعجوبة تبشِّرونني؟
"قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي" بِالْوَلَدِ "عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَر" حَال أَيْ مَعَ مَسّه إيَّايَ "فَبِمَ تُبَشِّرُونَ" فَبِأَيِّ شَيْء اسْتِفْهَام تَعَجُّب
ثُمَّ " قَالَ " مُتَعَجِّبًا مِنْ كِبَره وَكِبَر زَوْجَته وَمُتَحَقِّقًا لِلْوَعْدِ " أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَر فَبِمَ تُبَشِّرُونِ " فَأَجَابُوهُ مُؤَكِّدِينَ لِمَا بَشَّرُوهُ بِهِ تَحْقِيقًا وَبِشَارَة بَعْد بِشَارَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : قَالَ إِبْرَاهِيم لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم : { أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } يَقُول : فَبِأَيِّ شَيْء تُبَشِّرُونَ . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 16038 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا شَبَّابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } قَالَ : عَجِبَ مِنْ كِبَره وَكِبَر اِمْرَأَته . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ { عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَر } وَمَعْنَاهُ : لِأَنْ مَسَّنِي الْكِبَر وَبِأَنْ مَسَّنِي الْكِبَر , وَهُوَ نَحْو قَوْله : { حَقِيق عَلَى أَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } 7 105 بِمَعْنَى : بِأَنْ لَا أَقُول , وَيُمَثِّلهُ فِي الْكَلَام : أَتَيْتُك أَنَّك تُعْطِي , فَلَمْ أَجِدك تُعْطِي .
مشاركة الموضوع