تفسير القرطبي

سورة الحجر الآية ٥٢

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ﴿٥٢﴾
جَمَعَ الْخَبَر لِأَنَّ الضَّيْف اِسْم يَصْلُح لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع وَالتَّثْنِيَة وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث كَالْمَصْدَرِ . ضَافَهُ وَأَضَافَهُ أَمَالَهُ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( حِين تَضَيَّفَ الشَّمْس لِلْغُرُوبِ ) , وَضَيْفُوفَة السَّهْم , وَالْإِضَافَة النَّحْوِيَّة .



أَيْ سَلَّمُوا سَلَامًا .


أَيْ فَزِعُونَ خَائِفُونَ , وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بَعْد أَنْ قَرَّبَ الْعِجْل وَرَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي هُود . وَقِيلَ : أَنْكَرَ السَّلَام وَلَمْ يَكُنْ فِي بِلَادهمْ رَسْم السَّلَام .
" إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا " أي: سلموا عليه, فرد عليهم " قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ " أي: خائفون.
لأنه لما دخلوا عليه, وحسبهم ضيوفا, ذهب مسرعا إلى بيته, فأحضر لهم ضيافتهم, عجلا حنيذا فقدمه إليهم.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليه, خاف منهم أن يكونوا لصوصا أو نحوهم.
حين دخلوا عليه فقالوا: سلامًا؛ فرد عليهم السلام، ثم قدَّم لهم الطعام فلم يأكلوا، قال: إنا منكم فزعون.
"إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا" أَيْ هَذَا اللَّفْظ "قَالَ" إبْرَاهِيم لَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَكْل فَلَمْ يَأْكُلُوا "إنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ" خَائِفُونَ
وَكَيْف دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا " قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ " أَيْ خَائِفُونَ وَقَدْ ذَكَرَ سَبَب خَوْفه مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَيْدِيهمْ لَا تَصِل إِلَى مَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ الضِّيَافَة وَهُوَ الْعِجْل السَّمِين الْحَنِيذ .
{ فَقَالُوا سَلَامًا } يَقُول : فَقَالَ الضَّيْف لِإِبْرَاهِيم : سَلَامًا . { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } يَقُول : قَالَ إِبْرَاهِيم : إِنَّا مِنْكُمْ خَائِفُونَ . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه النَّصْب فِي قَوْله : { سَلَامًا } وَسَبَب وَجَل إِبْرَاهِيم مِنْ ضَيْفه وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ , وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْقَوْل فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا قَوْله : { قَالُوا سَلَامًا } وَهُوَ يَعْنِي بِهِ الضَّيْف , فَجَمَعَ الْخَبَر عَنْهُمْ وَهُمْ فِي لَفْظ وَاحِد , فَإِنَّ الضَّيْف اِسْم لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع مِثْل الْوَزْن وَالْقَطْر وَالْعَدْل , فَلِذَلِكَ جَمَعَ خَبَره وَهُوَ لَفْظ وَاحِد .
مشاركة الموضوع