تفسير القرطبي

سورة إبراهيم الآية ٣٤

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ ﴿٣٤﴾
أَيْ أَعْطَاكُمْ مِنْ كُلّ مَسْئُول سَأَلْتُمُوهُ شَيْئًا ; فَحَذَفَ ; عَنْ الْأَخْفَش . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ , وَمِنْ كُلّ مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ فَحَذَفَ , فَلَمْ نَسْأَلهُ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا كَثِيرًا مِنْ نِعَمه الَّتِي اِبْتَدَأَنَا بِهَا . وَهَذَا كَمَا قَالَ : " سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ " [ النَّحْل : 81 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : " مِنْ " زَائِدَة ; أَيْ آتَاكُمْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ " بِالتَّنْوِينِ " مَا سَأَلْتُمُوهُ " وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ الْحَسَن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة ; هِيَ عَلَى النَّفْي أَيْ مِنْ كُلّ مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ ; كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : مِنْ كُلّ شَيْء مَا سَأَلْتُمُوهُ أَيْ الَّذِي مَا سَأَلْتُمُوهُ .


أَيْ نِعَم اللَّه . " لَا تُحْصُوهَا " وَلَا تُطِيقُوا عَدَّهَا , وَلَا تَقُومُوا بِحَصْرِهَا لِكَثْرَتِهَا , كَالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَتَقْوِيم الصُّوَر إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعَافِيَة وَالرِّزْق ; نِعَم لَا تُحْصَى وَهَذِهِ النِّعَم مِنْ اللَّه , فَلِمَ تُبَدِّلُونَ نِعْمَة اللَّه بِالْكُفْرِ ؟ ! وَهَلَّا اِسْتَعَنْتُمْ بِهَا عَلَى الطَّاعَة ؟ !



الْإِنْسَان لَفْظ جِنْس وَأَرَادَ بِهِ الْخُصُوص ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ أَبَا جَهْل . وَقِيلَ : جَمِيع الْكُفَّار .
" وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " أي: أعطاكم من كل ما تعلقت به أمانيكم وحاجتكم, مما تسألونه إياه.
بلسان الحال, أو بلسان المقال, من أنعام, وآلات, وصناعات وغير ذلك.
" وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا " فضلا عن قيامكم بشكرها " إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ " أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي, مقصر في حقوق ربه, كفار لنعم الله, لا يشكرها ولا يعترف بها, إلا من هداه الله, فشكر نعمه, وعرف حق ربه, وقام به.
ففي هذه الآيات, من أصناف نعم الله على العباد, شيء عظيم, مجمل, ومفصل, يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره وذكره, ويحثهم على ذلك, ويرغبهم في سؤاله ودعائه, آناء الليل والنهار, كما أن نعمته, تتكرر عليهم, في جميع الأوقات.
وأعطاكم من كل ما طلبتموه، وإن تعدُّوا نِعَم الله عليكم لا تطيقوا عدها ولا إحصاءها ولا القيام بشكرها؛ لكثرتها وتنوُّعها. إن الإنسان لَكثير الظلم لنفسه، كثير الجحود لنعم ربه.
"وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ" عَلَى حَسَب مَصَالِحكُمْ "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه" بِمَعْنَى إنْعَامه "لَا تُحْصُوهَا" لَا تُطِيقُوا عَدَّهَا "إنَّ الْإِنْسَان" الْكَافِر "لَظَلُوم كَفَّار" كَثِير الظُّلْم لِنَفْسِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْر لِنِعْمَةِ رَبّه
وَقَوْله" وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " يَقُول هَيَّأَ لَكُمْ كُلّ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيع أَحْوَالِكُمْ مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِحَالِكُمْ وَقَالَ بَعْض السَّلَف مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ وَقَرَأَ بَعْضهمْ " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ " وَقَوْله " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا " يُخْبِر تَعَالَى عَنْ عَجْز الْعِبَاد عَنْ تَعْدَاد النِّعَم فَضْلًا عَنْ الْقِيَام بِشُكْرِهَا كَمَا قَالَ طَلْق بْن حَبِيب رَحِمَهُ اللَّه : إِنَّ حَقّ اللَّه أَثْقَل مِنْ أَنْ يَقُوم بِهِ الْعِبَاد وَإِنَّ نِعَم اللَّه أَكْثَر مِنْ أَنْ يُحْصِيهَا الْعِبَاد وَلَكِنْ أَصْبَحُوا تَائِبِينَ وَأَمْسَوْا تَائِبِينَ وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول " اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد غَيْر مَكْفِيّ وَلَا مُوَدَّع وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبّنَا " وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي الْحَارِث حَدَّثَنَا دَاوُد بْن الْمُحَبَّر حَدَّثَنَا صَالِح الْمِزِّيّ عَنْ جَعْفَر بْن زَيْد الْعَبْدِيّ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " يَخْرُج لِابْنِ آدَم يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة دَوَاوِين : دِيوَان فِيهِ الْعَمَل الصَّالِح وَدِيوَان فِيهِ ذُنُوبه وَدِيوَان فِيهِ النِّعَم مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِأَصْغَر نِعَمه - أَحْسَبهُ قَالَ - فِي دِيوَان النِّعَم خُذِي ثَمَنك مِنْ عَمَله الصَّالِح فَتَسْتَوْعِب عَمَله الصَّالِح كُلّه ثُمَّ تَنَحَّى وَتَقُول : وَعِزَّتِك مَا اِسْتَوْفَيْت وَتَبْقَى الذُّنُوب وَالنِّعَم فَإِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَرْحَمَهُ قَالَ يَا عَبْدِي قَدْ ضَاعَفْت لَك حَسَنَاتِك وَتَجَاوَزْت لَك عَنْ سَيِّئَاتك - أَحْسَبهُ قَالَ - وَوَهَبْت لَك نِعَمِي " غَرِيب وَسَنَدُهُ ضَعِيف وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَر أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ يَا رَبّ كَيْف أَشْكُرك وَشُكْرِي لَك نِعْمَة مِنْك عَلَيَّ ؟ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى الْآن شَكَرْتنِي يَا دَاوُد أَيْ حِين اِعْتَرَفْت بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاء شُكْر الْمُنْعِم ; وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَا تُؤَدَّى شُكْر نِعْمَة مِنْ نِعَمه إِلَّا بِنِعْمَةٍ حَادِثَة تُوجِب عَلَى مُؤَدِّيهَا شُكْره بِهَا وَقَالَ الْقَائِل فِي ذَلِكَ : لَوْ كُلُّ جَارِحَةٍ مِنِّي لَهَا لُغَةٌ تُثْنِي عَلَيْك بِمَا أَوْلَيْت مِنْ حَسَنِ لَكَانَ مَا زَادَ شُكْرِي إِذْ شَكَرْت بِهِ إِلَيْك أَبْلَغ فِي الْإِحْسَانِ وَالْمِنَنِ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَعْطَاكُمْ مَعَ إِنْعَامه عَلَيْكُمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ تَسْخِير هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي سَخَّرَهَا لَكُمْ وَالرِّزْق الَّذِي رَزَقَكُمْ مِنْ نَبَات الْأَرْض وَغُرُوسِهَا مِنْ كُلّ شَيْء سَأَلْتُمُوهُ وَرَغِبْتُمْ إِلَيْهِ شَيْئًا . وَحَذَفَ الشَّيْء الثَّانِي اِكْتِفَاء بِ " مَا " الَّتِي أُضِيفَتْ إِلَيْهَا " كُلّ " ; وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفه , لِأَنَّ " مِنْ " تُبَعِّض مَا بَعْدهَا , فَكَفَتْ بِدَلَالَتِهَا عَلَى التَّبْعِيض مِنْ الْمَفْعُول , فَلِذَلِكَ جَازَ حَذْفه , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء } يَعْنِي بِهِ : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء فِي زَمَانهَا شَيْئًا. وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قِيلَ عَلَى التَّكْثِير , نَحْو قَوْل الْقَائِل : فُلَان يَعْلَم كُلّ شَيْء , وَأَتَاهُ كُلّ النَّاس , وَهُوَ يَعْنِي بَعْضهمْ , وَكَذَلِكَ قَوْله : { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء } . وَقِيلَ أَيْضًا : إِنَّهُ لَيْسَ شَيْء إِلَّا وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْض النَّاس , فَقِيلَ : { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أَيْ قَدْ أَتَى بَعْضكُمْ مِنْهُ شَيْئًا , وَأَتَى آخَر شَيْئًا مِمَّا قَدْ سَأَلَهُ . وَهَذَا قَوْل بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْكُوفَة يَقُول : مَعْنَاهُ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ لَوْ سَأَلْتُمُوهُ , كَأَنَّهُ قِيلَ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ سُؤْلكُمْ ; وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول لِلرَّجُلِ لَمْ يَسْأَلك شَيْئًا : وَاَللَّه لَأُعْطِيَنَّك سُؤْلك مَا بَلَغْت مَسْأَلَتك ! وَإِنْ لَمْ يَسْأَل ؟ فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل , فَإِنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15749 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا شَبَابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } وَرَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله. 15750 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } قَالَ : مِنْ كُلّ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ وَاَلَّذِي لَمْ تَسْأَلُوهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15751 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا خَلَف , يَعْنِي اِبْن هِشَام , قَالَ : ثَنَا مَحْبُوب , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ رُكَانَة بْن هَاشِم : { مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } وَقَالَ : مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " بِتَنْوِينِ " كُلّ " وَتَرَكَ إِضَافَتهَا إِلَى " مَا " بِمَعْنَى : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ شَيْء لَمْ تَسْأَلُوهُ وَلَمْ تَطْلُبُوهُ مِنْهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَاد لَمْ يَسْأَلُوهُ الشَّمْس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار , وَخَلَقَ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَسْأَلُوهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15752 - حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْن , عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن يُونُس , قَالَ : ثَنَا بَزِيغ , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم فِي هَذِهِ الْآيَة : " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " قَالَ : مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ . 15753 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " وَيُفَسِّرهُ : أَعْطَاكُمْ أَشْيَاء مَا سَأَلْتُمُوهَا وَلَمْ تَلْتَمِسُوهَا , وَلَكِنْ أَعْطَيْتُكُمْ بِرَحْمَتِي وَسَعَتِي . قَالَ الضَّحَّاك : فَكَمْ مِنْ شَيْء أَعْطَانَا اللَّه مَا سَأَلْنَا وَلَا طَلَبْنَاهُ . - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " يَقُول : أَعْطَاكُمْ أَشْيَاء مَا طَلَبْتُمُوهَا وَلَا سَأَلْتُمُوهَا , صَدَقَ اللَّه كَمْ مِنْ شَيْء أَعْطَانَاهُ اللَّه مَا سَأَلْنَاهُ إِيَّاهُ وَلَا خَطَرَ لَنَا عَلَى بَال . 15754 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " قَالَ : لَمْ تَسْأَلُوهُ مِنْ كُلّ الَّذِي آتَاكُمْ. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار , وَذَلِكَ إِضَافَة " كُلّ " إِلَى " مَا " بِمَعْنَى : وَآتَاكُمْ مِنْ سُؤْلكُمْ شَيْئًا , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا وَرَفْضهمْ الْقِرَاءَة الْأُخْرَى .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَان لَظَلُوم كَفَّار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ تَعُدُّوا أَيّهَا النَّاس نِعْمَة اللَّه الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ لَا تُطِيقُوا إِحْصَاء عَدَدهَا وَالْقِيَام بِشُكْرِهَا إِلَّا بِعَوْنِ اللَّه لَكُمْ عَلَيْهَا . { إِنَّ الْإِنْسَان لَظَلُوم كَفَّار } يَقُول : إِنَّ الْإِنْسَان الَّذِي بَدَّلَ نِعْمَة اللَّه كُفْرًا لَظَلُوم : يَقُول : لَشَاكِر غَيْر مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ , فَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ فِعْله وَاضِع الشُّكْر فِي غَيْر مَوْضِعه ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْعَمَ وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ , فَعَبَدَ غَيْره وَجَعَلَ لَهُ أَنْدَادًا لِيُضِلّ عَنْ سَبِيله , وَذَلِكَ هُوَ ظُلْمه . وَقَوْله : { كَفَّار } يَقُول : هُوَ جُحُود نِعْمَة اللَّه الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ لِصَرْفِهِ الْعِبَادَة إِلَى غَيْر مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ , وَتَرْكه طَاعَة مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ . 15755 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا مِسْعَر , عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ طَلْق بْن حَبِيب , قَالَ : إِنَّ حَقّ اللَّه أَثْقَل مِنْ أَنْ تَقُوم بِهِ الْعِبَاد , وَإِنَّ نِعَم اللَّه أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصِيهَا الْعِبَاد ; وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وَأَمْسُوا تَوَّابِينَ.
مشاركة الموضوع