تفسير القرطبي

سورة إبراهيم الآية ٣٠

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ ﴿٣٠﴾
أَيْ أَصْنَامًا عَبَدُوهَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .


أَيْ عَنْ دِينه . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو بِفَتْحِ الْيَاء , وَكَذَلِكَ فِي الْحَجّ " لِيُضِلّ عَنْ سَبِيل اللَّه " [ الْحَجّ : 9 ] وَمِثْله فِي " لُقْمَان " وَ " الزُّمَر " وَضَمَّهَا الْبَاقُونَ عَلَى مَعْنَى لِيُضِلُّوا النَّاس عَنْ سَبِيله , وَأَمَّا مَنْ فَتَحَ فَعَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ هُمْ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه عَلَى اللُّزُوم , أَيْ عَاقِبَتهمْ إِلَى الْإِضْلَال وَالضَّلَال ; فَهَذِهِ لَام الْعَاقِبَة .


وَعِيد لَهُمْ , وَهُوَ إِشَارَة إِلَى تَقْلِيل مَا هُمْ فِيهِ مِنْ مَلَاذ الدُّنْيَا إِذْ هُوَ مُنْقَطِع .


أَيْ مَرَدّكُمْ وَمَرْجِعكُمْ إِلَى عَذَاب جَهَنَّم .
" وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أي: نظراء وشركاء " لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ " أي: ليضلوا العباد عن سبيل الله, بسبب ما جعلوا الله من الأنداد, ودعوهم إلى عبادتها.
" قُلْ " لهم متوعدا: " تَمَتَّعُوا " بكفرهم وضلالكم قليلا, فليس ذلك بنافعكم.
" فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ " أي: مآلكم ومأواكم فيها, وبئس المصير.
وجعل هؤلاء الكفار لله شركاء عبدوهم معه؛ ليُبْعدوا الناس عن دينه. قل لهم -أيها الرسول-: استمتعوا في الحياة الدنيا؛ فإنها سريعة الزوال، وإن مردَّكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم.
"وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا" شُرَكَاء "لِيُضِلُّوا" بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّهَا "عَنْ سَبِيله" دِين الْإِسْلَام "قُلْ" لَهُمْ "تَمَتَّعُوا" بِدُنْيَاكُمْ قَلِيلًا "فَإِنَّ مَصِيركُمْ" مَرْجِعكُمْ
وَقَوْله " وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ " أَيْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاء عَبَدُوهُمْ مَعَهُ وَدَعَوْا النَّاس إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَعِّدًا لَهُمْ عَلَى لِسَان نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ " أَيْ مَهْمَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَافْعَلُوا فَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْء " فَإِنَّ مَصِيركُمْ إِلَى النَّار " أَيْ مَرْجِعكُمْ وَمَوْئِلكُمْ إِلَيْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : " نُمَتِّعهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ " وَقَالَ تَعَالَى" مَتَاع فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقهُمْ الْعَذَاب الشَّدِيد بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا لِرَبِّهِمْ أَنْدَادًا , وَهِيَ جِمَاع نِدّ , وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى النِّدّ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاء ; كَمَا : 15744 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : قَوْله : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } وَالْأَنْدَاد : الشُّرَكَاء.

وَقَوْله : { لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيله } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { لِيُضِلُّوا } بِمَعْنَى : كَيْ يُضِلُّوا النَّاس عَنْ سَبِيل اللَّه بِمَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْبَصْرَة : " لِيُضِلُّوا " بِمَعْنَى : كَيْ يُضِلّ جَاعِلُو الْأَنْدَاد لِلَّهِ عَنْ سَبِيل اللَّه . وَقَوْله : { قُلْ تَمَتَّعُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : تَمَتَّعُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ! وَعِيدًا مِنْ اللَّه لَهُمْ لَا إِبَاحَة لَهُمْ التَّمَتُّع بِهَا وَلَا أَمْرًا عَلَى وَجْه الْعِبَادَة , وَلَكِنْ تَوْبِيخًا وَتَهَدُّدًا وَوَعِيدًا , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { فَإِنَّ مَصِيركُمْ إِلَى النَّار } يَقُول : اِسْتَمْتَعُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَإِنَّهَا سَرِيعَة الزَّوَال عَنْكُمْ , وَإِلَى النَّار تَصِيرُونَ عَنْ قَرِيب , فَتَعْلَمُونَ هُنَالِكَ غِبّ تَمَتُّعكُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَعَاصِي اللَّه وَكُفْركُمْ فِيهَا بِهِ .
مشاركة الموضوع