تفسير القرطبي

سورة يوسف الآية ٩٧

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ﴿٩٧﴾
فِي الْكَلَام حَذْف , التَّقْدِير : فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْر قَالُوا يَا أَبَانَا ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ : " تَاللَّهِ إِنَّك لَفِي ضَلَالك " الْقَدِيم " بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرهمْ مِنْ قَرَابَته وَأَهْله لَا وَلَده , فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا , وَكَانَ يَكُون ذَلِكَ زِيَادَة فِي الْعُقُوق . وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَة , لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَم الْحُزْن مَا لَمْ يَسْقُط الْمَأْثَم عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ .

قُلْت : وَهَذَا الْحُكْم ثَابِت فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسه أَوْ مَاله أَوْ غَيْر ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ ; فَإِنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّل لَهُ وَيُخْبِرهُ بِالْمَظْلِمَةِ وَقَدْرهَا ; وَهَلْ يَنْفَعهُ التَّحْلِيل الْمُطْلَق أَمْ لَا ؟ فِيهِ خِلَاف وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَنْفَع ; فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْر وَبَال رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْس الْمَظْلُوم فِي التَّحَلُّل مِنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَغَيْره عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَة لِأَخِيهِ مِنْ عَرْضه أَوْ شَيْء فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْم قَبْل أَلَّا يَكُون دِينَار وَلَا دِرْهَم إِنْ كَانَ لَهُ عَمَل صَالِح أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات صَاحِبه فَحُمِلَ عَلَيْهِ ) قَالَ الْمُهَلِّب فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَته ) يَجِب أَنْ تَكُون الْمَظْلِمَة مَعْلُومَة الْقَدْر مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَة , وَاَللَّه أَعْلَم .
فأقروا بذنبهم و " قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ " حيث فعلنا معك ما فعلنا.
قال بنوه: يا أبانا سل لنا ربك أن يعفو عنا ويستر علينا ذنوبنا، إنا كنا خاطئين فيما فعلناه بيوسف وشقيقه.
فَعِنْد ذَلِكَ قَالُوا لِأَبِيهِمْ مُتَرَفِّقِينَ لَهُ" يَا أَبَانَا اِسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِر لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُور الرَّحِيم" أَيْ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ قَالَ اِبْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَعَمْرو بْن قَيْس وَابْن جُرَيْج وَغَيْرهمْ أَرْجَأَهُمْ إِلَى وَقْت السَّحَر وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب حَدَّثَنَا اِبْن إِدْرِيس سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق يَذْكُر عَنْ مُحَارِب بْن دِسَار قَالَ كَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَأْتِي الْمَسْجِد فَيَسْمَع إِنْسَانًا يَقُول : اللَّهُمَّ دَعَوْتنِي فَأَجَبْت وَأَمَرْتنِي فَأَطَعْت وَهَذَا السَّحَر فَاغْفِرْ لِي قَالَ فَاسْتَمَعَ الصَّوْت فَإِذَا هُوَ مِنْ دَار عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَسَأَلَ عَبْد اللَّه عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ يَعْقُوب أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَر بِقَوْلِهِ " سَوْفَ أَسْتَغْفِر لَكُمْ رَبِّي " وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْجُمُعَة كَمَا قَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن أَبُو أَيُّوب الدِّمَشْقِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد أَنْبَأَنَا اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء وَعِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سَوْفَ أَسْتَغْفِر لَكُمْ رَبِّي " يَقُول حَتَّى تَأْتِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَهُوَ قَوْل أَخِي يَعْقُوب لِبَنِيهِ وَهَذَا غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَفِي رَفْعه نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ وَلَد يَعْقُوب الَّذِينَ كَانُوا فَرَّقُوا بَيْنه وَبَيْن يُوسُف : يَا أَبَانَا سَلْ لَنَا رَبَّك يَعْفُ عَنَّا وَيَسْتُر عَلَيْنَا ذُنُوبنَا الَّتِي أَذْنَبْنَاهَا فِيك وَفِي يُوسُف فَلَا يُعَاقِبنَا بِهَا فِي الْقِيَامَة { إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } فِيمَا فَعَلْنَا بِهِ , فَقَدِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا .
مشاركة الموضوع