تفسير القرطبي

سورة يوسف الآية ٩١

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ﴿٩١﴾
الْأَصْل هَمْزَتَانِ خُفِّفَتْ الثَّانِيَة , وَلَا يَجُوز تَحْقِيقهَا , وَاسْم الْفَاعِل مُؤْثِر , وَالْمَصْدَر إِيثَار . وَيُقَال : أَثَرْت التُّرَاب إِثَارَة فَأَنَا مُثِير ; وَهُوَ أَيْضًا عَلَى أَفْعَل ثُمَّ أُعِلَّ , وَالْأَصْل أَثْيَر نُقِلَتْ حَرَكَة الْيَاء عَلَى الثَّاء , فَانْقَلَبَتْ الْيَاء أَلِفًا , ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَأَثَرْت الْحَدِيث عَلَى فَعَلْت فَأَنَا آثِرٌ ; وَالْمَعْنَى : لَقَدْ فَضَّلَك اللَّه عَلَيْنَا , وَاخْتَارَك بِالْعِلْمِ وَالْحِلْم وَالْحُكْم وَالْعَقْل وَالْمُلْك .



أَيْ مُذْنِبِينَ مِنْ خَطِئَ يَخْطَأ إِذَا أَتَى الْخَطِيئَة , وَفِي ضِمْن هَذَا سُؤَال الْعَفْو . وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاس : كَيْف قَالُوا " وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ " وَقَدْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ ؟ قَالَ : وَإِنْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ , فَمَا تَعَمَّدُوا حَتَّى أَخْطَئُوا الْحَقّ , وَكَذَلِكَ كُلّ مَنْ أَتَى ذَنْبًا تَخَطَّى الْمِنْهَاج الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ , حَتَّى يَقَع فِي الشُّبْهَة وَالْمَعْصِيَة .
" قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا " أي: فضلك علينا, بمكارم الأخلاق, ومحاسن الشيم, وأسأنا إليك غاية الإساءة, وحرصنا على إيصال الأذى إليك, والتبعيد لك عن أبيك, فآثرك الله تعالى, ومكنك مما تريده " وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ " .
قالوا: تالله لقد فَضَّلك الله علينا وأعزَّك بالعلم والحلم والفضل، وإن كنا لخاطئين بما فعلناه عمدًا بك وبأخيك.
"قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك" فَضَّلَك "اللَّه عَلَيْنَا" بِالْمُلْكِ وَغَيْره "وَإِنْ" مُخَفَّفَة أَيْ إنَّا "كُنَّا لَخَاطِئِينَ" آثِمِينَ فِي أَمْرك فَأَذْلَلْنَاك
فَعِنْد ذَلِكَ قَالُوا " أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُف " وَقَرَأَ أُبَيّ بْن كَعْب " إِنَّك لَأَنْتَ يُوسُف " وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن " أَنْتَ يُوسُف " وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة هِيَ الْأُولَى لِأَنَّ الِاسْتِفْهَام يَدُلّ عَلَى الِاسْتِعْظَام أَيْ أَنَّهُمْ تَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَنَتَيْنِ وَأَكْثَر وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَهُوَ مَعَ هَذَا يَعْرِفهُمْ وَيَكْتُم نَفْسه فَلِهَذَا قَالُوا عَلَى سَبِيل الِاسْتِفْهَام " أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُف قَالَ أَنَا يُوسُف وَهَذَا أَخِي " وَقَوْله " قَدْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنَا" أَيْ بِجَمْعِهِ بَيْننَا بَعْد التَّفْرِقَة الْمُدَّة " إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك اللَّه عَلَيْنَا " الْآيَة يَقُولُونَ مُعْتَرِفِينَ لَهُ بِالْفَضْلِ وَالْأَثَرَة عَلَيْهِمْ فِي الْخُلُق وَالْخَلْق وَالسَّعَة وَالْمُلْك وَالتَّصَرُّف وَالنُّبُوَّة أَيْضًا عَلَى قَوْل مَنْ لَمْ يَجْعَلهُمْ أَنْبِيَاء وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ أَسَاءُوا إِلَيْهِ وَاخْطَئُوا فِي حَقّه .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك اللَّه عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ إِخْوَة يُوسُف لَهُ : تَاللَّهِ لَقَدْ فَضَّلَك اللَّه عَلَيْنَا وَآثَرَك بِالْعِلْمِ وَالْحِلْم وَالْفَضْل , { وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } يَقُول : وَمَا كُنَّا فِي فِعْلنَا الَّذِي فَعَلْنَا بِك فِي تَفْرِيقنَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَبِيك وَأَخِيك وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ صَنِيعنَا الَّذِي صَنَعْنَا بِك , إِلَّا خَاطِئِينَ : يَعْنُونَ مُخْطِئِينَ , يُقَال مِنْهُ : خَطِئَ فُلَان يَخْطَأ خَطَأً وَخِطْأً , وَأَخْطَأَ يُخْطِئُ إِخْطَاءً ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أُمَيَّة بْن الْأَسْكَر : وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَحَابَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15101 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ يُوسُف : { أَنَا يُوسُف وَهَذَا أَخِي } اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَقَالُوا : { تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك اللَّه عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } فِيمَا كُنَّا صَنَعْنَا بِك 15102 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك اللَّه عَلَيْنَا } وَذَلِكَ بَعْد مَا عَرَّفَهُمْ أَنْفُسَهُمْ , يَقُول : جَعَلَك اللَّه رَجُلًا حَلِيمًا
مشاركة الموضوع