تفسير القرطبي

سورة يوسف الآية ١٣

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ ﴿١٣﴾
فِي مَوْضِع رَفْع ; أَيْ ذَهَابكُمْ بِهِ . أَخْبَرَ عَنْ حُزْنه لِغَيْبَتِهِ .


وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامه أَنَّ الذِّئْب شَدَّ عَلَى يُوسُف , فَلِذَلِكَ خَافَهُ عَلَيْهِ ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : إِنَّهُ رَأَى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ عَلَى ذُرْوَة جَبَل , وَكَأَنَّ يُوسُف فِي بَطْن الْوَادِي , فَإِذَا عَشَرَة مِنْ الذِّئَاب قَدْ اِحْتَوَشَتْهُ تُرِيد أَكْله , فَدَرَأَ عَنْهُ وَاحِد , ثُمَّ اِنْشَقَّتْ الْأَرْض فَتَوَارَى يُوسُف فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام ; فَكَانَتْ الْعَشَرَة إِخْوَته , لَمَّا تَمَالَئُوا عَلَى قَتْله , وَاَلَّذِي دَافِع عَنْهُ أَخُوهُ الْأَكْبَر يَهُوذَا , وَتَوَارِيهِ فِي الْأَرْض هُوَ مَقَامه فِي الْجُبّ ثَلَاثَة أَيَّام . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِخَوْفِهِ مِنْهُمْ عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ أَرَادَهُمْ بِالذِّئْبِ ; فَخَوْفه إِنَّمَا كَانَ مِنْ قَتْلهمْ لَهُ , فَكَنَّى عَنْهُمْ بِالذِّئْبِ مُسَاتَرَة لَهُمْ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَسَمَّاهُمْ ذِئَابًا . وَقِيلَ : مَا خَافَهُمْ عَلَيْهِ , وَلَوْ خَافَهُمْ لَمَا أَرْسَلَهُ مَعَهُمْ , وَإِنَّمَا خَافَ الذِّئْب ; لِأَنَّهُ أَغْلَب مَا يُخَاف فِي الصَّحَارِي . وَالذِّئْب مَأْخُوذ مِنْ تَذَاءَبَتْ الرِّيح إِذَا جَاءَتْ مِنْ كُلّ وَجْه ; كَذَا قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى ; قَالَ : وَالذِّئْب مَهْمُوز لِأَنَّهُ يَجِيء مِنْ كُلّ وَجْه . وَرَوَى وَرْش عَنْ نَافِع " الذِّيب " بِغَيْرِ هَمْز , لَمَّا كَانَتْ الْهَمْزَة سَاكِنَة وَقَبْلهَا كَسْرَة فَخَفَّفَهَا صَارَتْ يَاء .



أَيْ مَشْغُلُونَ بِالرَّعْيِ .
فأجابهم بقوله: " إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ " أي مجرد ذهابكم به, يحزنني, ويشق علي, لأنني لا أقدر على فراقه, ولو مدة يسيرة.
فهذا مانع من إرساله ومانع ثان, وهو: أني " وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ " أي: في حال غفلتكم عنه, لأنه صغير, لا يمتنع من الذئب.
قال يعقوب: إني لَيؤلم نفسي مفارقته لي إذا ذهبتم به إلى المراعي، وأخشى أن يأكله الذئب، وأنتم عنه غافلون منشغلون.
"قَالَ إنِّي لَيَحْزُنَنِي أَنْ تَذْهَبُوا" أَيْ ذَهَابكُمْ "بِهِ" لِفِرَاقِهِ "وَأَخَاف أَنْ يَأْكُلهُ الذِّئْب" الْمُرَاد بِهِ الْجِنْس وَكَانَتْ أَرْضهمْ كَثِيرَة الذِّئَاب "وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ" مَشْغُولُونَ
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيّه يَعْقُوب إنَّهُ قَالَ لِبَنِيهِ فِي جَوَاب مَا سَأَلُوا مِنْ إِرْسَال يُوسُف مَعَهُمْ إِلَى الرَّعْي فِي الصَّحْرَاء " إِنِّي لَيَحْزُننِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ " أَيْ يَشُقّ عَلَيَّ مُفَارَقَته مُدَّة ذَهَابكُمْ بِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَذَلِكَ لِفَرْطِ مَحَبَّته لَهُ لِمَا يَتَوَسَّم فِيهِ مِنْ الْخَيْر الْعَظِيم وَشَمَائِل النُّبُوَّة وَالْكَمَال فِي الْخُلُق وَالْخَلْق صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ . وَقَوْله " وَأَخَاف أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ " يَقُول وَأَخْشَى أَنْ تَشْتَغِلُوا عَنْهُ بِرَمْيِكُمْ وَرَعْيكُمْ فَيَأْتِيه ذِئْب فَيَأْكُلهُ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ فَأَخَذُوا مِنْ فَمه هَذِهِ الْكَلِمَة وَجَعَلُوهَا عُذْرهمْ فِيمَا فَعَلُوهُ وَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ عَنْهَا فِي السَّاعَة الرَّاهِنَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُننِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَاف أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يَعْقُوب لَهُمْ : إِنِّي لَيَحْزُننِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ مَعَكُمْ إِلَى الصَّحْرَاء , مَخَافَة عَلَيْهِ مِنْ الذِّئْب أَنْ يَأْكُلهُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ لَا تَشْعُرُونَ .
مشاركة الموضوع