تفسير القرطبي

سورة هود الآية ٩٩

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴿٩٩﴾
أَيْ فِي الدُّنْيَا .



أَيْ وَلَعْنَة يَوْم الْقِيَامَة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى .


حَكَى الْكِسَائِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة : رَفَدْته أَرْفِدهُ رَفْدًا ; أَيْ أَعَنْته وَأَعْطَيْته . وَاسْم الْعَطِيَّة الرَّفْد ; أَيْ بِئْسَ الْعَطَاء وَالْإِعَانَة . وَالرَّفْد أَيْضًا الْقَدَح الضَّخْم ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ , وَالتَّقْدِير : بِئْسَ الرِّفْد رِفْد الْمَرْفُود . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ : أَنَّ الرَّفْد بِفَتْحِ الرَّاء الْقَدَح , وَالرِّفْد بِكَسْرِهَا مَا فِي الْقَدَح مِنْ الشَّرَاب ; حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ ; فَكَأَنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ مَا يَسْقُونَهُ فِي النَّار . وَقِيلَ : إِنَّ الرِّفْد الزِّيَادَة ; أَيْ بِئْسَ مَا يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْد الْغَرَق النَّار ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ .
أي: في الدنيا " لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ " أي: يلعنهم الله وملائكته, والناس أجمعون في الدنيا والآخرة.
" بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ " أي: بئس ما اجتمع لهم, وترادف عليهم, من عذاب الله, ولعنة الدنيا والآخرة.
وأتبعهم الله في هذه الدنيا مع العذاب الذي عجَّله لهم فيها من الغرق في البحر لعنةً، ويوم القيامة كذلك لعنة أخرى بإدخالهم النار، وبئس ما اجتمع لهم وترادَف عليهم من عذاب الله، ولعنة الدنيا والآخرة.
"وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ" أَيْ الدُّنْيَا "لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة" لَعْنَة "بِئْسَ الرِّفْد" الْعَوْن "الْمَرْفُود" رِفْدهمْ
وَقَوْله " وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة" الْآيَة أَيْ أَتْبَعْنَاهُمْ زِيَادَة عَلَى عَذَاب النَّار لَعْنَة فِي الدُّنْيَا " وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود " قَالَ مُجَاهِد : زِيدُوا لَعْنَة يَوْم الْقِيَامَة فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود " قَالَ لَعْنَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَقَتَادَة وَهُوَ كَقَوْلِهِ " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّة يَدْعُونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ" وَقَالَ تَعَالَى " النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : وَأَتْبَعَهُمْ اللَّه فِي هَذِهِ , يَعْنِي فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَعَ الْعَذَاب الَّذِي عَجَّلَهُ لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْغَرَق فِي الْبَحْر , لَعْنَته . { وَيَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : وَفِي يَوْم الْقِيَامَة أَيْضًا يُلْعَنُونَ لَعْنَة أُخْرَى . كَمَا : 14286 - حَدَّثَنَا بْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة } قَالَ : لَعْنَة أُخْرَى - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة } قَالَ زِيدُوا بِلَعْنَتِهِ لَعْنَة أُخْرَى , فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } اللَّعْنَة فِي أَثَر اللَّعْنَة - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة } قَالَ : زِيدُوا لَعْنَة أُخْرَى , فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فِي هَذِهِ } قَالَ : فِي الدُّنْيَا { وَيَوْم الْقِيَامَة } أُرْدِفُوا بِلَعْنَةٍ أُخْرَى زِيدُوهَا , فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ وَقَوْله : { بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } يَقُول : بِئْسَ الْعَوْن الْمُعَان اللَّعْنَة الْمَزِيدَة فِيهَا أُخْرَى مِنْهَا . وَأَصْل الرِّفْد : الْعَوْن , يُقَال مِنْهُ : رَفَدَ فُلَان فُلَانًا عِنْد الْأَمِير يَرْفِدهُ رِفْدًا بِكَسْرِ الرَّاء , وَإِذَا فُتِحَتْ , فَهُوَ السَّقْي فِي الْقَدَح الْعَظِيم , وَالرِّفْد : الْقَدَح الضَّخْم , وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : 206 رُبَّ رَفْد هَرَقْته ذَلِكَ الْيَوْم وَأَسْرَى مِنْ مَعْشَر أَقْتَال وَيُقَال . رَفَدَ فُلَان حَائِطه , وَذَلِكَ إِذَا أَسْنَدَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلَّا يَسْقُط . وَالرَّفْد بِفَتْحِ الرَّاء الْمَصْدَر , يُقَال مِنْهُ : رَفَدَهُ يَرْفِدهُ رَفْدًا . وَالرَّفْد : اِسْم الشَّيْء الَّذِي يُعْطَاهُ الْإِنْسَان وَهُوَ الْمَرْفَد . وَيَنْحُو الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَا أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 14287 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } قَالَ : لَعْنَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة 14288 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } قَالَ : لَعَنَهُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَزِيدَ لَهُمْ فِيهَا اللَّعْنَة فِي الْآخِرَة - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } قَالَ : لَعْنَة فِي الدُّنْيَا , وَزِيدُوا فِيهَا لَعْنَة فِي الْآخِرَة - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } يَقُول : تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَتَانِ مِنْ اللَّه لَعْنَة فِي الدُّنْيَا , وَلَعْنَة فِي الْآخِرَة 14289 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : أَصَابَتْهُمْ لَعْنَتَانِ فِي الدُّنْيَا , رَفَدَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى , وَهُوَ قَوْله : { وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود }
مشاركة الموضوع