تفسير القرطبي

سورة هود الآية ٩٤

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ﴿٩٤﴾
قِيلَ : صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيل صَيْحَة فَخَرَجَتْ أَرْوَاحهمْ مِنْ أَجْسَادهمْ


أَيْ صَيْحَة جِبْرِيل . وَأَنَّثَ الْفِعْل عَلَى لَفْظ الصَّيْحَة , وَقَالَ فِي قِصَّة صَالِح : " وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة " فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاح . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا أَهْلَكَ اللَّه أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِد إِلَّا قَوْم صَالِح وَقَوْم شُعَيْب , أَهْلَكَهُمْ اللَّه بِالصَّيْحَةِ ; غَيْر أَنَّ قَوْم صَالِح أَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة مِنْ تَحْتهمْ , وَقَوْم شُعَيْب أَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة مِنْ فَوْقهمْ .


أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوههمْ , قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرَابِ كَالطَّيْرِ إِذَا جَثَمَتْ .
" وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا " بإهلاك قوم شعيب " نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ " لا تسمع لهم صوتا, ولا ترى منهم حركة
ولما جاء أمرنا بإهلاك قوم شعيب نجَّينا رسولنا شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ظلموا الصيحة من السماء، فأهلكتهم، فأصبحوا في ديارهم باركين على رُكَبهم ميتين لا حِرَاك بهم.
"وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا" بِإِهْلَاكِهِمْ "نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة" صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيل "فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارهمْ جَاثِمِينَ" بَارِكِينَ عَلَى الرُّكَب مَيِّتِينَ
قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة فَأَصْحِبُوا فِي دِيَارهمْ جَاثِمِينَ " وَقَوْله جَاثِمِينَ أَيْ هَامِدِينَ لَا حَرَاك بِهِمْ وَذُكِرَ هَاهُنَا أَنَّهُ أَتَتْهُمْ صَيْحَة وَفِي الْأَعْرَاف رَجْفَة وَفِي الشُّعَرَاء عَذَاب يَوْم الظُّلَّة وَهُمْ أُمَّة وَاحِدَة اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ يَوْم عَذَابهمْ هَذِهِ النِّقَم كُلُّهَا وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي كُلّ سِيَاق مَا يُنَاسِبهُ فَفِي الْأَعْرَاف لَمَّا قَالُوا " لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْب وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتنَا" نَاسَبَ أَنْ يُذْكُر هُنَاكَ الرَّجْفَة فَرَجَفَتْ بِهِمْ الْأَرْض الَّتِي ظَلَمُوا بِهَا وَأَرَادُوا إِخْرَاج نَبِيّهمْ مِنْهَا وَهَهُنَا لَمَّا أَسَاءُوا الْأَدَب فِي مَقَالَتهمْ عَلَى نَبِيّهمْ ذُكِرَ الصَّيْحَة الَّتِي اِسْتَلْبَثَتْهُمْ وَأَخْمَدَتْهُمْ وَفِي الشُّعَرَاء لَمَّا قَالُوا " فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنْ السَّمَاء إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ " قَالَ " فَأَخَذَهُمْ عَذَاب يَوْم الظُّلَّة إِنَّهُ كَانَ عَذَاب يَوْم عَظِيم " وَهَذَا مِنْ الْأَسْرَار الدَّقِيقَة وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة كَثِيرًا دَائِمًا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَاءَ قَضَاؤُنَا فِي قَوْم شُعَيْب بِعَذَابِنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا رَسُولنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَصَدَّقُوهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ مَعَ شُعَيْب , مِنْ عَذَابنَا الَّذِي بَعَثْنَا عَلَى قَوْمه , بِرَحْمَةٍ مِنَّا لَهُ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ ,

وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة مِنْ السَّمَاء أَخْمَدَتْهُمْ فَأَهْلَكَتْهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , صَاحَ بِهِمْ صَيْحَة أَخْرَجَتْ أَرْوَاحهمْ مِنْ أَجْسَامهمْ . { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارهمْ جَاثِمِينَ } عَلَى رُكَبهمْ وَصَرْعَى بِأَفْنِيَتِهِمْ .
مشاركة الموضوع