تفسير القرطبي

سورة هود الآية ٦٢

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ﴿٦٢﴾
أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُون فِينَا سَيِّدًا قَبْل هَذَا ; أَيْ قَبْل دَعْوَتك النُّبُوَّة . وَقِيلَ : كَانَ صَالِح يَعِيب آلِهَتهمْ وَيَشْنَؤُهَا , وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعه إِلَى دِينهمْ , فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّه قَالُوا : اِنْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْك .


اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار .


أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُد .


فَأَنْ فِي مَحَلّ نَصْب بِإِسْقَاطِ حَرْف الْجَرّ .


وَفِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " و " وَإِنَّا " وَالْأَصْل وَإِنَّنَا ; فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاث نُونَات فَأُسْقِطَ الثَّالِثَة .



الْخِطَاب لِصَالِح , وَفِي سُورَة إِبْرَاهِيم " تَدْعُونَنَا " [ إِبْرَاهِيم : 9 ] لِأَنَّ الْخِطَاب لِلرُّسُلِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ


مِنْ أَرَبْته فَأَنَا أُرِيبه إِذَا فَعَلْت بِهِ فِعْلًا يُوجِب لَدَيْهِ الرِّيبَة . قَالَ الْهُذَلِيّ : كُنْت إِذَا أَتَوْته مِنْ غَيْب يَشُمّ عِطْفِي وَيَبُزّ ثَوْبِي كَأَنَّمَا أَرَبْته بِرَيْب
" قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا " أي: قد كنا نرجوك ونؤمل فيك العقل والنفع.
وهذا شهادة منهم, لنبيهم صالح, أنه ما زال معروفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم, وأنه من خيار قومه.
ولكنه, لما جاءهم بهذا الأمر, الذي لا يوافق أهواءهم الفاسدة, قالوا هذه المقالة, التي مضمونها, أنك قد كنت كاملا, والآن أخلفت ظننا فيك, وصرت بحالة لا يرجى منك خير.
وذنبه, ما قالوه عنه: " أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا " وبزعمهم أن هذا, من أعظم القدح في صالح, كيف قدح في عقولهم, وعقول آبائهم الضالين, وكيف ينهاهم عن عبادة, من لا ينفع ولا يضر, ولا يغني شيئا من الأحجار, والأشجار ونحوها.
وأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم, الذي لم تزل نعمه عليهم تترى, وإحسانه عليهم دائما ينزل, الذي, ما بهم من نعمة, إلا منه, ولا يدفع عنهم السيئات إلا هو.
" وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ " أي: ما زلنا شاكين فيما دعوتنا إليه, شكا مؤثرا في قلوبنا الريب.
وبزعمهم أنهم لو علموا, صحة ما دعاهم إليه, لاتبعوه, وهم كذبة في ذلك, ولهذا بين كذبهم في قوله:
قالت ثمود لنبيِّهم صالح: لقد كنا نرجو أن تكون فينا سيدًا مطاعًا قبل هذا القول الذي قلته لنا، أتنهانا أن نعبد الآلهة التي كان يعبدها آباؤنا؟ وإننا لفي شكٍّ مريب مِن دعوتك لنا إلى عبادة الله وحده.
"قَالُوا يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا" نَرْجُو أَنْ تَكُون سَيِّدًا "قَبْل هَذَا" الَّذِي صَدَرَ مِنْك "أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا" مِنْ الْأَوْثَان "وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ" مِنْ التَّوْحِيد "مُرِيب" مُوقِع فِي الرَّيْب
يَذْكُر تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ الْكَلَام بَيْن صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام وَبَيْن قَوْمه وَمَا كَانَ عَلَيْهِ قَوْمه مِنْ الْجَهْل وَالْعِنَاد فِي قَوْلهمْ " قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا قَبْل هَذَا " أَيْ كُنَّا نَرْجُوك فِي عَقْلِك قَبْل أَنْ تَقُول مَا قُلْت " أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا " وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَسْلَافنَا " وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب " أَيْ شَكّ كَثِير .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ ثَمُود لِصَالِحٍ نَبِيّهمْ : { يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا } أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُون فِينَا سَيِّدًا

{ قَبْل هَذَا } الْقَوْل الَّذِي قُلْته لَنَا مِنْ أَنَّهُ مَا لَنَا مِنْ إِلَه غَيْر اللَّه .

{ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا } يَقُول : أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد الْآلِهَة الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُد

{ وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب } يَعْنُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ صِحَّة مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَأَنَّ الْأُلُوهَة لَا تَكُون إِلَّا لَهُ خَالِصًا . وَقَوْله { مُرِيب } أَيْ يُوجِب التُّهْمَة مِنْ أَرَبْته فَأَنَا أَرِيبه إِرَابَة , إِذَا فَعَلْت بِهِ فِعْلًا يُوجِب لَهُ الرِّيبَة , وَمِنْهُ قَوْل الْهُذَلِيّ : كُنْت إِذَا أَتَوْته مِنْ غَيْب يَشُمّ عِطْفِي وَيُبَزّ ثَوْبِي كَأَنَّمَا أَرَبْته بِرَيْبِ
مشاركة الموضوع