تفسير القرطبي

سورة هود الآية ٥٨

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ﴿٥٨﴾
أَيْ عَذَابنَا بِهَلَاكِ عَاد .



لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَنْجُو إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى , وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَعْمَال صَالِحَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ وَغَيْرهمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَنْ يُنَجِّي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَله . قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ ! قَالَ : وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّه بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ) . وَقِيلَ : مَعْنَى " بِرَحْمَةٍ مِنَّا " بِأَنْ بَيَّنَّا لَهُمْ الْهُدَى الَّذِي هُوَ رَحْمَة . وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف . وَقِيلَ : ثَلَاثَة آلَاف .



أَيْ عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة . وَقِيلَ : هُوَ الرِّيح الْعَقِيم كَمَا ذَكَرَ اللَّه فِي " الذَّارِيَات " وَغَيْرهَا وَسَيَأْتِي . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَالْعَذَاب الَّذِي يَتَوَعَّد بِهِ النَّبِيّ أُمَّته إِذَا حَضَرَ يُنَجِّي اللَّه مِنْهُ النَّبِيّ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ ; نَعَمْ ! لَا يَبْعُد أَنْ يَبْتَلِي اللَّه نَبِيًّا وَقَوْمه فَيَعُمّهُمْ بِبَلَاءٍ فَيَكُون ذَلِكَ عُقُوبَة لِلْكَافِرِينَ , وَتَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا تَوَعَّدَهُمْ النَّبِيّ بِهِ .
" وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا " أي: عذابنا بإرسال الريح العقيم, التي " مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ " .
" نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ " أي: عظيم شديد, أحله الله بـ " عاد " , فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
ولما جاء أمرنا بعذاب قوم هود نجَّينا منه هودًا والمؤمنين بفضل منَّا عليهم ورحمة، ونجَّيناهم من عذاب شديد أحله الله بعادٍ فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنُهم.
"وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا" عَذَابنَا "نَجَّيْنَا هُودًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ" هِدَايَة "مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ" شَدِيد
" وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا " وَهُوَ الرِّيح الْعَقِيم فَأَهْلَكَهُمْ اللَّه عَنْ آخِرهمْ وَنَجَّى هُودًا وَأَتْبَاعه مِنْ عَذَاب غَلِيظ بِرَحْمَتِهِ تَعَالَى وَلُطْفه .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَاءَ قَوْم هُود عَذَابنَا { نَجَّيْنَا } مِنْهُ { هُودًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } بِاَللَّهِ { مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } يَعْنِي بِفَضْلٍ مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَنِعْمَة , { وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ } يَقُول : نَجَّيْنَاهُمْ أَيْضًا مِنْ عَذَاب غَلِيظ يَوْم الْقِيَامَة , كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ السَّخْطَة الَّتِي أَنْزَلْتهَا بِعَادٍ .
مشاركة الموضوع