تفسير القرطبي

سورة هود الآية ٤٥

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ ﴿٤٥﴾
أَيْ دَعَاهُ .


أَيْ مِنْ أَهْلِي الَّذِينَ وَعَدْتهمْ أَنْ تُنَجِّيهِمْ مِنْ الْغَرَق ; فَفِي الْكَلَام حَذْف .



يَعْنِي الصِّدْق . وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنَّمَا سَأَلَ نُوح رَبّه اِبْنه لِقَوْلِهِ : " وَأَهْلك " وَتَرَكَ قَوْله : " إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْل " [ هُود : 40 ] فَلَمَّا كَانَ عِنْده مِنْ أَهْله قَالَ : " رَبّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي " يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله : " وَلَا تَكُنْ مِنْ الْكَافِرِينَ " أَيْ لَا تَكُنْ مِمَّنْ لَسْت مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُ كَانَ عِنْده مُؤْمِنًا فِي ظَنّه , وَلَمْ يَكُ نُوح يَقُول لِرَبِّهِ : " إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي " إِلَّا وَذَلِكَ عِنْده كَذَلِكَ ; إِذْ مُحَال أَنْ يَسْأَل هَلَاك الْكُفَّار , ثُمَّ يَسْأَل فِي إِنْجَاء بَعْضهمْ ; وَكَانَ اِبْنه يُسِرّ الْكُفْر وَيُظْهِر الْإِيمَان ; فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى نُوحًا بِمَا هُوَ مُنْفَرِد بِهِ مِنْ عِلْم الْغُيُوب ; أَيْ عَلِمْت مِنْ حَال اِبْنك مَا لَمْ تَعْلَمهُ أَنْتَ . وَقَالَ الْحَسَن : كَانَ مُنَافِقًا ; وَلِذَلِكَ اِسْتَحَلَّ نُوح أَنْ يُنَادِيه . وَعَنْهُ أَيْضًا : كَانَ اِبْن اِمْرَأَته ; دَلِيله قِرَاءَة عَلِيّ " وَنَادَى نُوح اِبْنهَا " .


اِبْتِدَاء وَخَبَر . أَيْ حَكَمْت عَلَى قَوْم بِالنَّجَاةِ , وَعَلَى قَوْم بِالْغَرَقِ .
" وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " .
وقد قلت لي " احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ " ولن تخلف ما وعدتني به.
لعله عليه الصلاة والسلام, لما حملته الشفقة, وأن الله وعده بنجاة أهله, ظن أن الوعد لعمومهم, من آمن, ومن لم يؤمن, فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء.
ومع هذا, ففوض الأمر لحكمة الله البالغة, حيث قال: " وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ " .
" قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ "
" قَالَ " الله له: " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ " الذين وعدتك بإنجائهم " إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ " أي: هذا الدعاء الذي دعوت به, لنجاة كافر, لا يؤمن بالله ولا رسوله.
" فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " أي: ما لا تعلم عاقبته, ومآله, وهل يكون خيرا, أو غير خير.
" إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ " أي: أني أعظك وعظا, تكون به من الكاملين, وتنجو به من صفات الجاهلين.
فحينئذ ندم نوح, عليه السلام, ندامة شديدة, على ما صدر منه,
ونادى نوح ربه فقال: رب إنك وعَدْتني أن تنجيني وأهلي من الغرق والهلاك، وإن ابني هذا من أهلي، وإن وعدك الحق الذي لا خُلْف فيه، وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم.
"وَنَادَى نُوح رَبّه فَقَالَ رَبّ إنَّ ابْنِي" كَنْعَان "مِنْ أَهْلِي" وَقَدْ وَعَدْتنِي بِنَجَاتِهِمْ "وَإِنَّ وَعْدك الْحَقّ" الَّذِي لَا خُلْف فِيهِ "وَأَنْت أَحْكَم الْحَاكِمِينَ" أَعْلَمهمْ وَأَعْدَلهمْ
هَذَا سُؤَال اِسْتِعْلَام وَكَشْف مِنْ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ حَال وَلَده الَّذِي غَرِقَ" قَالَ رَبّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِيّ " أَيْ وَقَدْ وَعَدْتنِي بِنَجَاةِ أَهْلِي وَوَعْدك الْحَقّ الَّذِي لَا يُخْلَف فَكَيْفَ غَرِقَ وَأَنْتَ أَحْكُم الْحَاكِمِينَ ؟ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَى نُوح رَبّه فَقَالَ رَبّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَادَى نُوح رَبّه , فَقَالَ : رَبّ إِنَّك وَعَدْتنِي أَنْ تُنْجِينِي مِنْ الْغَرَق وَالْهَلَاك وَأَهْلِي , وَقَدْ هَلَكَ اِبْنِي , وَابْنِي مِنْ أَهْلِي .

{ وَإِنَّ وَعْدك الْحَقّ } الَّذِي لَا خُلْف لَهُ .

{ وَأَنْتَ أَحْكَم الْحَاكِمِينَ } بِالْحَقِّ , فَاحْكُمْ لِي بِأَنْ تَفِي بِمَا وَعَدْتنِي مِنْ أَنْ تُنْجِي لِي أَهْلِي وَتُرْجِع إِلَيَّ اِبْنِي . كَمَا : 14058 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَنْتَ أَحْكَم الْحَاكِمِينَ } قَالَ : أَحْكَم الْحَاكِمِينَ بِالْحَقِّ
مشاركة الموضوع