تفسير القرطبي

سورة هود الآية ٣٣

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٣٣﴾
أَيْ إِنْ أَرَادَ إِهْلَاككُمْ عَذَّبَكُمْ .


أَيْ بِفَائِتِينَ . وَقِيلَ : بِغَالِبِينَ بِكَثْرَتِكُمْ ; لِأَنَّهُمْ أُعْجِبُوا بِذَلِكَ ; كَانُوا مَلَئُوا الْأَرْض سَهْلًا وَجَبَلًا عَلَى مَا يَأْتِي .
ولهذا أجابهم نوح عليه السلام بقوله " إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ " أي: إن اقتضت مشيئته وحكمته, أن ينزله بكم, فعل ذلك.
" وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ " لله, وأنا ليس بيدي من الأمر شيء.
قال نوح لقومه: إن الله وحده هو الذي يأتيكم بالعذاب إذا شاء، ولستم بفائتيه إذا أراد أن يعذبكم؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
"قَالَ إنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّه إنْ شَاءَ" تَعْجِيله لَكُمْ فَإِنَّ أَمْره إلَيْهِ لَا إلَيَّ "وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" بِفَائَتِينَ اللَّه
أَيْ إِنَّمَا الَّذِي يُعَاقِبكُمْ وَيُعَجِّلهَا لَكُمْ اللَّه الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّه إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ نُوح لِقَوْمِهِ حِين اِسْتَعْجَلُوهُ الْعَذَاب : يَا قَوْم لَيْسَ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ مِنْ الْعَذَاب إِلَيَّ , إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه لَا إِلَى غَيْره , هُوَ الَّذِي يَأْتِيكُمْ بِهِ إِنْ شَاءَ . { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } يَقُول : وَلَسْتُمْ إِذَا أَرَادَ تَعْذِيبكُمْ بِمُعْجِزِيهِ : أَيْ بِفَائِتِيهِ هَرَبًا مِنْهُ , لِأَنَّكُمْ حَيْثُ كُنْتُمْ فِي مُلْكه وَسُلْطَانه وَقُدْرَته حُكْمه عَلَيْكُمْ جَارٍ .
مشاركة الموضوع