تفسير القرطبي

سورة الهمزة الآية ٢

ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًۭا وَعَدَّدَهُۥ ﴿٢﴾
أَيْ أَعَدَّهُ - زَعَمَ - لِنَوَائِب الدَّهْر ; مِثْل كَرُمَ وَأَكْرَمَ . وَقِيلَ : أَحْصَى عَدَده ; قَالَهُ السُّدِّيّ . وَقَالَ الضَّحَّاك : أَيْ أَعَدَّ مَاله لِمَنْ يَرِثهُ مِنْ أَوْلَاده . وَقِيلَ : أَيْ فَاخَرَ بِعَدَدِهِ وَكَثْرَته . وَالْمَقْصُود الذَّمّ عَلَى إِمْسَاك الْمَال عَنْ سَبِيل الطَّاعَة . كَمَا قَالَ : " مَنَّاع لِلْخَيْرِ " [ ق : 25 ] , وَقَالَ : " وَجَمَعَ فَأَوْعَى " [ الْمَعَارِج : 18 ] . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " جَمَعَ " مُخَفَّف الْمِيم . وَشَدَّدَهَا اِبْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ عَلَى التَّكْثِير . وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; لِقَوْلِهِ : " وَعَدَّدَهُ " . وَقَرَأَ الْحَسَن وَنَصْر بْن عَاصِم وَأَبُو الْعَالِيَة " جَمَعَ " مُخَفَّفًا , " وَعَدَدَهُ " مُخَفَّفًا أَيْضًا ; فَأَظْهَرُوا التَّضْعِيف لِأَنَّ أَصْله عَدَّهُ وَهُوَ بَعِيد ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُصْحَف بِدَالَيْنِ . وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي الشِّعْر ; لَمَّا أَبْرَزُوا التَّضْعِيف خَفَّفُوهُ . قَالَ : مَهْلًا أُمَامَة قَدْ جَرَّبْت مِنْ خُلُقِي إِنِّي أَجُود لِأَقْوَامٍ وَإِنْ ضَنِينُوا أَرَادَ : ضَنُّوا وَبَخِلُوا , فَأَظْهَرَ التَّضْعِيف ; لَكِنَّ الشِّعْر مَوْضِع ضَرُورَة . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : مَنْ خَفَّفَ " وَعَدَّدَهُ " فَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْمَال ; أَيْ وَجَمَعَ عَدَده فَلَا يَكُون فِعْلًا عَلَى إِظْهَار التَّضْعِيف ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَل إِلَّا فِي الشِّعْر .
الذي جمع مالا, وأحصاه.
الذي كان همُّه جمع المال وتعداده.
" الَّذِي جَمَعَ " بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد " مَالًا وَعَدَّدَهُ " أَحْصَاهُ وَجَعَلَهُ عُدَّة لِحَوَادِث الدَّهْر
قَوْله تَعَالَى " الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ " أَيْ جَمَعَهُ بَعْضه عَلَى بَعْض وَأَحْصَى عَدَده كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَمَعَ فَأَوْعَى " قَالَهُ السُّدِّيّ وَابْن جَرِير وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب فِي قَوْله " جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ" أَلْهَاهُ مَالُهُ بِالنَّهَارِ هَذَا إِلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ اللَّيْل نَامَ كَأَنَّهُ جِيفَة مُنْتِنَة .
وَقَوْله : { الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ } يَقُول : الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَأَحْصَى عَدَده , وَلَمْ يُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللَّه , وَلَمْ يُؤَدِّ حَقّ اللَّه فِيهِ , وَلَكِنَّهُ جَمَعَهُ فَأَوْعَاهُ وَحَفِظَهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ مِنْ قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة أَبُو جَعْفَر , وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة سِوَى عَاصِم : " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْحِجَاز , سِوَى أَبِي جَعْفَر وَعَامَّة قُرَّاء الْبَصْرَة , وَمِنْ الْكُوفَة عَاصِم , " جَمَعَ " بِالتَّخْفِيفِ , وَكُلّهمْ مُجْمِعُونَ عَلَى تَشْدِيد الدَّال مِنْ { عَدَّدَهُ } عَلَى الْوَجْه الَّذِي ذَكَرْت مِنْ تَأْوِيله . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ بِإِسْنَادٍ غَيْر ثَابِت , أَنَّهُ قَرَأَهُ : " جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ " تَخْفِيف الدَّال , بِمَعْنَى : جَمَعَ مَالًا , وَجَمَعَ عَشِيرَته وَعَدَده . هَذِهِ قِرَاءَة لَا أَسْتَجِيز الْقِرَاءَة بِهَا , بِخِلَافِهَا قِرَاءَة الْأَمْصَار , وَخُرُوجهَا عَمَّا عَلَيْهِ الْحُجَّة مُجْمَعَة فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله : { جَمَعَ مَالًا } فَإِنَّ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف فِيهِمَا صَوَابَانِ , لِأَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قَرَأَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
مشاركة الموضوع