تفسير القرطبي

سورة يونس الآية ٦٥

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾
أَيْ لَا يَحْزُنك اِفْتِرَاؤُهُمْ وَتَكْذِيبهمْ لَك ,


ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ : " إِنَّ الْعِزَّة لِلَّهِ " أَيْ الْقُوَّة الْكَامِلَة وَالْغَلَبَة الشَّامِلَة وَالْقُدْرَة التَّامَّة لِلَّهِ وَحْده ; فَهُوَ نَاصِرك وَمُعِينك وَمَانِعك .



نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَلَا يُعَارِض هَذَا قَوْله : " وَلِلَّهِ الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " [ الْمُنَافِقُونَ : 8 ] فَإِنَّ كُلّ عِزَّة بِاَللَّهِ فَهِيَ كُلّهَا لِلَّهِ ; قَالَ اللَّه سُبْحَانه : " سُبْحَان رَبّك رَبّ الْعِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ " [ الصَّافَّات : 180 ] .


السَّمِيع لِأَقْوَالِهِمْ وَأَصْوَاتهمْ , الْعَلِيم بِأَعْمَالِهِمْ وَأَفْعَالهمْ وَجَمِيع حَرَكَاتهمْ .
أي: ولا يحزنك قول المكذبين فيك, من الأقوال, التي يتوصلون بها إلى القدح فيك, وفي دينك فإن أقوالهم, لا تعزهم.
ولا تضرك شيئا.
" إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا " يؤتيها من يشاء, ويمنعها ممن يشاء.
قال تعالى " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا " أي: فليطلبها بطاعته, بدليل قوله بعده " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ " ومن المعلوم, أنك على طاعة الله, وأن العزة لك ولأتباعك, من الله.
" وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " .
وقوله: " هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " أي: سمعه قد أحاط بجميع الأصوات, فلا يخفى عليه شيء منها.
وعلمه, قد أحاط بجميع الظواهر والبواطن, فلا يعزب عنه مثقال ذرة, في السماوات والأرض, ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.
وهو - تعالى - يسمع قولك, وقول أعدائك فيه, ويعلم ذلك تفصيلا, فاكتف بعلم الله وكفايته, فمن يتق الله, فهو حسبه.
ولا يحزنك -أيها الرسول- قول المشركين في ربهم وافتراؤهم عليه وإشراكهم معه الأوثان والأصنام؛ فإن الله تعالى هو المتفرد بالقوة الكاملة والقدرة التامة في الدنيا والآخرة، وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم ونياتهم.
"وَلَا يَحْزُنك قَوْلهمْ" لَك لَسْت مُرْسَلًا وَغَيْره "إنَّ" اسْتِئْنَاف "الْعِزَّة" الْقُوَّة "لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيع" لِلْقَوْلِ "الْعَلِيم" بِالْفِعْلِ فَيُجَازِيهِمْ وَيَنْصُرك
يَقُول تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَا يَحْزُنك " قَوْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْعِزَّة لِلَّهِ جَمِيعًا أَيْ جَمِيعهَا لَهُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم " أَيْ السَّمِيع لِأَقْوَالِ عِبَاده الْعَلِيم بِأَحْوَالِهِمْ.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحْزُنك قَوْلهمْ إِنَّ الْعِزَّة لِلَّهِ جَمِيعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد قَوْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي رَبّهمْ مَا يَقُولُونَ , وَإِشْرَاكهمْ مَعَهُ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام ; فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْفَرِد بِعِزَّةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا شَرِيك لَهُ فِيهَا , وَهُوَ الْمُنْتَقِم مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ فِيهِ مِنْ الْقَوْل الْبَاطِل مَا يَقُولُونَ , فَلَا يَنْصُرهُمْ عِنْد اِنْتِقَامه مِنْهُمْ أَحَد ; لِأَنَّهُ لَا يُعَازّهُ شَيْء . وَكُسِرَتْ " إِنَّ " مِنْ قَوْله : { إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه مُبْتَدَأ , وَلَمْ يَعْمَل فِيهَا الْقَوْل ; لِأَنَّ الْقَوْل عُنِيَ بِهِ قَوْل الْمُشْرِكِينَ ; وَقَوْله : { إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } لَمْ يَكُنْ مِنْ قِيلِ الْمُشْرِكِينَ , وَلَا هُوَ خَبَر عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ .

{ هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَقُول : وَهُوَ ذُو السَّمْع لِمَا يَقُولُونَ مِنْ الْفِرْيَة وَالْكَذِب عَلَيْهِ , وَذُو عِلْم بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسهمْ وَيُعْلِنُونَهُ , مُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ كُلّه , وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ .
مشاركة الموضوع