تفسير القرطبي

سورة يونس الآية ٥٧

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾
يَعْنِي قُرَيْشًا


أَيْ وَعْظ .


يَعْنِي الْقُرْآن , فِيهِ مَوَاعِظ وَحِكَم .


أَيْ مِنْ الشَّكّ وَالنِّفَاق وَالْخِلَاف , وَالشِّقَاق .


أَيْ وَرُشْدًا لِمَنْ اِتَّبَعَهُ .


أَيْ نِعْمَة .


خَصَّهُمْ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْإِيمَانِ ; وَالْكُلّ صِفَات الْقُرْآن , وَالْعَطْف لِتَأْكِيدِ الْمَدْح . قَالَ الشَّاعِر : إِلَى الْمَلِك الْقَرْم وَابْن الْهُمَام وَلَيْث الْكَتِيبَة فِي الْمُزْدَحَم
يقول تعالى - مرغبا الخلق, في الإقبال على هذا الكتاب الكريم, بذكر أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أي: تعظكم, وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله, المقتضية لعقابه, وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها.
" وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ " وهو: هذا القرآن, شفاء لما في الصدور, من أمراض الشهوات الصادرة عن الانقياد للشرع, وأمراض الشبهات, القادحة في العلم اليقيني.
فإن ما فيه من المواعظ, والترغيب, والترهيب, والوعد والوعيد, مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة.
وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير, والرهبة عن الشر, ونمتا على تكرر ما يرد إليها, من معاني القرآن, أوجب ذلك, تقديم مراد الله على مراد النفس, وصار ما يرضي الله, أحب إلى العبد من شهوة نفسه.
وكذلك ما فيه, من البراهين, والأدلة, التي صرفها الله, غاية التصريف, وبينها أحسن بيان, مما يزيل الشبه القادحة في الحق, ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين.
وإذا صح القلب من مرضه, ورفل بأثواب العافية, تبعته الجوارح كلها, فإنها تصلح بصلاحه, وتفسد بفساده.
" وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " فالهدى هو, العلم بالحق والعمل به.
والرحمة هي: ما يحصل من الخير والإحسان, والثواب العاجل والآجل, لمن اهتدى به.
فالهدى, أجل الوسائل, والرحمة, أكمل المقاصد والرغائب.
ولكن لا يهتدي به, ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين.
وإذا حصل الهدى, وحلت الرحمة الناشئة عنه, حصلت السعادة والفلاح, والربح والنجاح, والفرح والسرور.
يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم تذكِّركم عقاب الله وتخوفكم وعيده، وهي القرآن وما اشتمل عليه من الآيات والعظات لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم، وفيه دواء لما في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض، ورشد لمن اتبعه من الخلق فينجيه من الهلاك، جعله سبحانه وتعالى نعمة ورحمة للمؤمنين، وخصَّهم بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالإيمان، وأما الكافرون فهو عليهم عَمَى.
"يَا أَيّهَا النَّاس" أَيْ أَهْل مَكَّة "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ" كِتَاب فِيهِ مَا لَكُمْ وَمَا عَلَيْكُمْ وَهُوَ الْقُرْآن "وَشِفَاء" دَوَاء "لِمَا فِي الصُّدُور" مِنْ الْعَقَائِد الْفَاسِدَة وَالشُّكُوك "وَهُدًى" مِنْ الضَّلَال "وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ" بِهِ
يَقُول تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقه بِمَا أَنْزَلَهُ مِنْ الْقُرْآن الْعَظِيم عَلَى رَسُوله الْكَرِيم " يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ " أَيْ زَاجِر عَنْ الْفَوَاحِش " وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور " أَيْ مِنْ الشُّبَه وَالشُّكُوك وَهُوَ إِزَالَة مَا فِيهَا مِنْ رِجْس وَدَنَس وَهُدًى وَرَحْمَة أَيْ يَحْصُل بِهِ الْهِدَايَة وَالرَّحْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ; وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُصَدِّقِينَ الْمُوقِنِينَ بِمَا فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَنُنَزِّل مِنْ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيد الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا " وَقَوْله " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء " الْآيَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِخَلْقِهِ : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ } يَعْنِي ذِكْرَى تُذَكِّركُمْ عَذَابَ اللَّه وَتُخَوِّفكُمْ وَعِيدَهُ مِنْ رَبّكُمْ . يَقُول : مِنْ عِنْد رَبّكُمْ لَمْ يَخْتَلِقهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَفْتَعِلهَا أَحَد , فَتَقُولُوا : لَا نَأْمَن أَنْ تَكُونَ لَا صِحَّةَ لَهَا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقُرْآنَ , وَهُوَ الْمَوْعِظَة مِنْ اللَّه .

وَقَوْله : { وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور } يَقُول : وَدَوَاء لِمَا فِي الصُّدُور مِنْ الْجَهْل , يَشْفِي بِهِ اللَّه جَهْل الْجُهَّال , فَيُبَرِّئ بِهِ دَاءَهُمْ وَيَهْدِي بِهِ مِنْ خَلْقه مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ بِهِ .
{ وَهُدًى } يَقُول : وَهُوَ بَيَان لِحَلَالِ اللَّه وَحَرَامه , وَدَلِيل عَلَى طَاعَته وَمَعْصِيَته .

{ وَرَحْمَة } يَرْحَم بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , فَيُنْقِذهُ بِهِ مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى , وَيُنْجِيه بِهِ مِنْ الْهَلَاك وَالرَّدَى . وَجَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ دُون الْكَافِرِينَ بِهِ ; لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ عَمًى , وَفِي الْآخِرَة جَزَاؤُهُ عَلَى الْكُفْر بِهِ الْخُلُود فِي لَظًى .
مشاركة الموضوع