تفسير القرطبي

سورة يونس الآية ٢٢

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ﴿٢٢﴾
أَيْ يَحْمِلكُمْ فِي الْبَرّ عَلَى الدَّوَابّ وَفِي الْبَحْر عَلَى الْفُلْك . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يَحْفَظكُمْ فِي السَّيْر . وَالْآيَة تَتَضَمَّن تَعْدِيد النِّعَم فِيمَا هِيَ الْحَال بِسَبِيلِهِ مِنْ رُكُوب النَّاس الدَّوَابّ وَالْبَحْر . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي رُكُوب الْبَحْر فِي " الْبَقَرَة " . " يُسَيِّركُمْ " قِرَاءَة الْعَامَّة . اِبْن عَامِر " يَنْشُركُمْ " بِالنُّونِ وَالشِّين , أَيْ يَبُثّكُمْ وَيُفَرِّقكُمْ . وَالْفُلْك يَقَع عَلَى الْوَاحِد وَالْجَمْع , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ . وَقَوْله : " وَجَرَيْنَ بِهِمْ " خُرُوج مِنْ الْخِطَاب إِلَى الْغَيْبَة , وَهُوَ فِي الْقُرْآن وَأَشْعَار الْعَرَب كَثِير ; قَالَ النَّابِغَة : يَا دَار مَيَّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَد أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِف الْأَمَد قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَجَائِز فِي اللُّغَة أَنْ يُرْجَع مِنْ خِطَاب الْغَيْبَة إِلَى لَفْظ الْمُوَاجَهَة بِالْخِطَابِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا " [ الْإِنْسَان : 21 - 22 ] فَأَبْدَلَ الْكَاف مِنْ الْهَاء . قَوْله تَعَالَى " بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا " تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهَا فِي الْبَقَرَة


الضَّمِير فِي " جَاءَتْهَا " لِلسَّفِينَةِ . وَقِيلَ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَة . وَالْعَاصِف الشَّدِيدَة ; يُقَال : عَصَفَتْ الرِّيح وَأَعْصَفَتْ , فَهِيَ عَاصِف وَمُعْصِف وَمُعْصِفَة أَيْ شَدِيدَة , قَالَ الشَّاعِر : حَتَّى إِذَا أَعْصَفَتْ رِيح مُزَعْزِعَة فِيهَا قِطَار وَرَعْد صَوْته زَجِل وَقَالَ " عَاصِف " بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ لَفْظ الرِّيح مُذَكَّر , وَهِيَ الْقَاصِف أَيْضًا . وَالطَّيِّبَة غَيْر عَاصِف وَلَا بَطِيئَة .


وَالْمَوْج مَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْمَاء


أَيْ أَيْقَنُوا


أَيْ أَحَاطَ بِهِمْ الْبَلَاء ; يُقَال لِمَنْ وَقَعَ فِي بَلِيَّة : قَدْ أُحِيطَ بِهِ , كَأَنَّ الْبَلَاء قَدْ أَحَاطَ بِهِ ; وَأَصْل هَذَا أَنَّ الْعَدُوّ إِذَا أَحَاطَ بِمَوْضِعٍ فَقَدْ هَلَكَ أَهْله .


أَيْ دَعَوْهُ وَحْده وَتَرَكُوا مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْخَلْق جُبِلُوا عَلَى الرُّجُوع إِلَى اللَّه فِي الشَّدَائِد , وَأَنَّ الْمُضْطَرّ يُجَاب دُعَاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ; لِانْقِطَاعِ الْأَسْبَاب وَرُجُوعه إِلَى الْوَاحِد رَبّ الْأَرْبَاب ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " النَّمْل " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ أهيا شراهيا ; أَيْ يَا حَيّ يَا قَيُّوم . وَهِيَ لُغَة الْعَجَم . مَسْأَلَة : هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى رُكُوب الْبَحْر مُطْلَقًا , وَمِنْ السُّنَّة حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ : إِنَّا نَرْكَب الْبَحْر وَنَحْمِل مَعَنَا الْقَلِيل مِنْ الْمَاء ... الْحَدِيث . وَحَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أُمّ حَرَام يَدُلّ عَلَى جَوَاز رُكُوبه فِي الْغَزْو , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر " الْأَعْرَاف " حُكْم رَاكِب الْبَحْر فِي حَال اِرْتِجَاجه وَغَلَيَانه , هَلْ حُكْمه حُكْم الصَّحِيح أَوْ الْمَرِيض الْمَحْجُور عَلَيْهِ ; فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ .


أَيْ هَذِهِ الشَّدَائِد وَالْأَهْوَال . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : مِنْ هَذِهِ الرِّيح .


أَيْ مِنْ الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِك عَلَى نِعْمَة الْخَلَاص .
لما ذكر تعالى, القاعدة العامة في أحوال الناس, عند إصابة الرحمة لهم, بعد الضراء, واليسر بعد العسر, ذكر حالة, تؤيد ذلك, وهي: حالهم في البحر, عند اشتداده, والخوف من عواقبه.
فقال: " هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ " بما يسر لكم من الأسباب الميسرة لكم فيها, وهداكم إليها.
" حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ " أي: السفن البحرية " وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ " موافقة لما يهوونه, من غير انزعاج ولا مشقة.
" وَفَرِحُوا بِهَا " واطمأنوا إليها.
فبينما هم كذلك, " جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ " شديدة الهبوب " وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ " أي: عرفوا أنه الهلاك.
فانقطع حينئذ, تعلقهم بالمخلوقين, وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده.
وحينئذ " دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام.
فقالوا: " لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ "
هو الذي يسيِّركم -أيها الناس- في البر على الدواب وغيرها، وفي البحر في السُّفُن، حتى إذا كنتم فيها وجرت بريح طيبة، وفرح ركاب السفن بالريح الطيبة، جاءت هذه السفنَ ريحٌ شديدة، وجاء الركابَ الموجُ (وهو ما ارتفع من الماء) من كل مكان، وأيقنوا أن الهلاك قد أحاط بهم، أخلصوا الدعاء لله وحده، وتركوا ما كانوا يعبدون، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه الشدة التي نحن فيها لنكونن من الشاكرين لك على نِعَمك.
"هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ" وَفِي قِرَاءَة يَنْشُركُمْ "فِي الْبَرّ وَالْبَحْر حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك" السُّفُن "وَجَرَيْنَ بِهِمْ" فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْخِطَاب "بِرِيحٍ طَيِّبَة" لَيِّنَة "وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف" شَدِيدَة الْهُبُوب تَكْسِر كُلّ شَيْء "وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين أُحِيطَ بِهِمْ" أَيْ أُهْلِكُوا "دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين" الدُّعَاء "لَئِنْ" لَام قَسَم "أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ" الْأَهْوَال "لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ" الْمُوَحِّدِينَ
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ " هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر " أَيْ يَحْفَظكُمْ وَيَكْلَؤُكُمْ بِحِرَاسَتِهِ " حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا " أَيْ بِسُرْعَةِ سَيْرهمْ رَافِقِينَ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ " جَاءَتْهَا " أَيْ تِلْكَ السُّفُن " رِيح عَاصِف " أَيْ شَدِيدَة " وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان " أَيْ اِغْتَلَمَ الْبَحْر عَلَيْهِمْ " وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ " أَيْ هَلَكُوا " دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " أَيْ لَا يَدْعُونَ مَعَهُ صَنَمًا وَلَا وَثَنًا بَلْ يُفْرِدُونَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَال كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرّ فِي الْبَحْر ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَان كَفُورًا " وَقَالَ هَهُنَا " دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ " أَيْ هَذِهِ الْحَال " لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ " أَيْ لَا نُشْرِك بِك أَحَدًا وَلَنُفْرِدَنَّكَ بِالْعِبَادَةِ هُنَاكَ كَمَا أَفْرَدْنَاك بِالدُّعَاءِ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه الَّذِي يُسَيِّركُمْ أَيّهَا النَّاس فِي الْبَرّ عَلَى الظَّهْر وَفِي الْبَحْر فِي الْفُلْك ; { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك } وَهِيَ السُّفُن , { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } يَعْنِي : وَجَرَتْ الْفُلْك بِالنَّاسِ , { بِرِيحٍ طَيِّبَة } فِي الْبَحْر , { وَفَرِحُوا بِهَا } يَعْنِي : وَفَرِحَ رُكْبَان الْفُلْك بِالرِّيحِ الطَّيِّبَة الَّتِي يَسِيرُونَ بِهَا . وَالْهَاء فِي قَوْله : " بِهَا " عَائِدَة عَلَى الرِّيح الطَّيِّبَة . { جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف } يَقُول : جَاءَتْ الْفُلْك رِيح عَاصِف , وَهِيَ الشَّدِيدَة , وَالْعَرَب تَقُول : رِيح عَاصِف وَعَاصِفَة , وَقَدْ أَعْصَفَتْ الرِّيح وَعَصَفَتْ وَأَعْصَفَتْ فِي بَنِي أَسَد فِيمَا ذُكِرَ , قَالَ بَعْض بَنِي دُبَيْر : حَتَّى إِذَا أَعَصَفَتْ رِيح مُزَعْزَعَة فِيهَا قِطَار وَرَعْد صَوْته زَجِل { وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَ رُكْبَان السَّفِينَة الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان . { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ } يَقُول : وَظَنُّوا أَنَّ الْهَلَاك قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَأَحْدَقَ . { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } يَقُول : أَخْلَصُوا الدُّعَاء لِلَّهِ هُنَالِكَ دُون أَوْثَانهمْ وَآلِهَتهمْ , وَكَانَ مَفْزَعهمْ حِينَئِذٍ إِلَى اللَّه دُونهَا . كَمَا : 13641 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } قَالَ : إِذَا مَسَّهُمْ الضُّرّ فِي الْبَحْر أَخْلَصُوا لَهُ الدُّعَاء . 13642 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , فِي قَوْله : { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } هياشراهيا , تَفْسِيره : يَا حَيّ يَا قَيُّوم . 13643 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } ... إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه مَا يَدْعُونَ , فَإِذَا كَانَ الضُّرّ لَمْ يَدْعُو إِلَّا اللَّه , فَإِذَا نَجَّاهُمْ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ الشِّدَّة الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ لَك عَلَى نِعَمك وَتَخْلِيصك إِيَّانَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِإِخْلَاصِنَا الْعِبَادَة لَك وَإِفْرَاد الطَّاعَة دُون الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } فَقَرَأْته عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } مِنْ السَّيْر بِالسِّينِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِي : " هُوَ الَّذِي يَنْشُركُمْ " مِنْ النَّشْر , وَذَلِكَ الْبَسْط ; مِنْ قَوْل الْقَائِل : نَشَرْت الثَّوْب , وَذَلِكَ بَسْطه وَنَشْره مِنْ طَيّه . فَوَجَّهَ أَبُو جَعْفَر مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّه يَبْعَث عِبَاده , فَيَبْسُطهُمْ بَرًّا وَبَحْرًا , وَهُوَ قَرِيب الْمَعْنَى مِنْ التَّسْيِير . وَقَالَ : { وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة } وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { فِي الْفُلْك الْمَشْحُون } . 36 41 فَوَحَّدَ , وَالْفُلْك : اِسْم لِلْوَاحِدَةِ وَالْجِمَاع وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث . قَالَ : { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } وَقَدْ قَالَ : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } فَخَاطَبَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب ; وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْكِتَاب بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَجَوَاب قَوْله : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك } : { وَجَاءَتْهَا رِيح عَاصِف } وَأَمَّا جَوَاب قَوْله : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ } فَـ { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين }
مشاركة الموضوع