التفسير الميسر

سورة القلم الآية ٤٤

فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾
فذرني -أيها الرسول- ومَن يكذِّب بهذا القرآن، فإن عليَّ جزاءهم والانتقام منهم، سنمدهم بالأموال والأولاد والنعم؛ استدراجًا لهم من حيث لا يشعرون أنه سبب لإهلاكهم، وأُمهلهم وأُطيل أعمارهم؛ ليزدادوا إثمًا. إن كيدي بأهل الكفر قويٌّ شديد.
فذرني- يا محمد- ومن يكذب بهذا القرآن, فإن علي جزاءهم والانتقام منهم, سنمدهم بالأموال والأولاد والنعم.
استدراجا لهم من حيث لا يشعرون أنه سبب لإهلاكهم,
"فَذَرْنِي" دَعْنِي "وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث" الْقُرْآن "سَنَسْتَدْرِجُهُمْ" نَأْخُذهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث " يَعْنِي الْقُرْآن وَهَذَا تَهْدِيد شَدِيد أَيْ دَعْنِي وَإِيَّاهُ مِنِّي وَمِنْهُ أَنَا أَعْلَم بِهِ كَيْف أَسْتَدْرِجهُ وَأَمُدّهُ فِي غَيّه وَأَنْظُرهُ ثُمَّ آخُذهُ أَخْذ عَزِيز مُقْتَدِر وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ" أَيْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بَلْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه كَرَامَة وَهُوَ فِي نَفْس الْأَمْر إِهَانَة كَمَا قَالَ تَعَالَى" أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نَمُدّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ نُسَارِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات بَلْ لَا يَشْعُرُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كِلْ يَا مُحَمَّد أَمْر هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقُرْآنِ إِلَيَّ ; وَهَذَا كَقَوْلِ الْقَائِل لِآخَر غَيْره يَتَوَعَّد رَجُلًا : دَعْنِي وَإِيَّاهُ , وَخَلِّنِي وَإِيَّاهُ , بِمَعْنَى : إِنَّهُ مِنْ وَرَاء مَسَاءَته . و " مَنْ " فِي قَوْله : { وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث } فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْت , وَهُوَ نَظِير قَوْلهمْ : لَوْ تُرِكْت وَرَأْيَك مَا أَفْلَحْت . وَالْعَرَب تَنْصِب " وَرَأْيك " ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَوْ وَكَلْتُك إِلَى رَأْيك لَمْ تُفْلِح .

وَقَوْله : { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَنَكِيدُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ , وَذَلِكَ بِأَنْ يُمَتِّعَهُمْ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهُمْ مُتِّعُوا بِهِ بِخَيْرٍ لَهُمْ عِنْد اللَّه , فَيَتَمَادَوْا فِي طُغْيَانهمْ , ثُمَّ يَأْخُذهُمْ بَغْتَة وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
أَيْ دَعْنِي .


"مَنْ " مَفْعُول مَعَهُ أَوْ مَعْطُوف عَلَى ضَمِير الْمُتَكَلِّم .


يَعْنِي الْقُرْآن ; قَالَهُ السُّدِّيّ . وَقِيلَ : يَوْم الْقِيَامَة . وَهَذَا تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ فَأَنَا أُجَازِيهِمْ وَأَنْتَقِم مِنْهُمْ .


مَعْنَاهُ سَنَأْخُذُهُمْ عَلَى غَفْلَة وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ; فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْر . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : نُسْبِغ عَلَيْهِمْ النِّعَم وَنُنْسِيهِمْ الشُّكْر . وَقَالَ الْحَسَن : كَمْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ , وَكَمْ مَفْتُون بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ , وَكَمْ مَغْرُور بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو رَوْق : أَيْ كُلَّمَا أَحْدَثُوا خَطِيئَة جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَة وَأَنْسَيْنَاهُمْ الِاسْتِغْفَارَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : سَنَمْكُرُ بِهِمْ . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ نَأْخُذَهُمْ قَلِيلًا وَلَا نُبَاغِتَهُمْ . وَفِي حَدِيث ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل قَالَ يَا رَبّ كَمْ أَعْصِيك وَأَنْتَ لَا تُعَاقِبنِي - قَالَ - فَأَوْحَى اللَّه إِلَى نَبِيّ زَمَانهمْ أَنْ قُلْ لَهُ كَمْ مِنْ عُقُوبَة لِي عَلَيْك وَأَنْتَ لَا تَشْعُر . إِنَّ جُمُود عَيْنَيْك وَقَسَاوَة قَلْبك اِسْتِدْرَاج مِنِّي وَعُقُوبَة لَوْ عَقَلْت ) . وَالِاسْتِدْرَاج : تَرْك الْمُعَاجَلَة . وَأَصْله النَّقْل مِنْ حَال إِلَى حَال كَالتَّدَرُّجِ . وَمِنْهُ قِيلَ دَرَجَة ; وَهِيَ مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة . وَاسْتَدْرَجَ فُلَان فُلَانًا ; أَيْ اِسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ قَلِيلًا . وَيُقَال : دَرَجَهُ إِلَى كَذَا وَاسْتَدْرَجَهُ بِمَعْنًى ; أَيْ أَدْنَاهُ مِنْهُ عَلَى التَّدْرِيج فَتَدَرَّجَ هُوَ .
مشاركة الموضوع