التفسير الميسر

سورة الأنعام الآية ٦٤

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾
قل لهم -أيها الرسول-: الله وحده هو الذي ينقذكم من هذه المخاوف ومن كل شدة، ثم أنتم بعد ذلك تشركون معه في العبادة غيره.
" قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ " أي من هذه الشدة الخاصة, ومن جميع الكروب العامة.
" ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ " لا تفون لله بما قلتم, وتنسون نعمه عليكم.
فأي برهان أوضح من هذا; على بطلان الشرك, وصحة التوحيد؟!!
"قُلْ" لَهُمْ "اللَّه يُنَجِّيكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "مِنْهَا وَمِنْ كُلّ كَرْب" غَمّ سِوَاهَا "ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ" بِهِ
قَالَ اللَّه " قُلْ اللَّه يُنْجِيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ " أَيْ بَعْد ذَلِكَ " تُشْرِكُونَ " أَيْ تَدْعُونَ مَعَهُ فِي حَال الرَّفَاهِيَة آلِهَة أُخْرَى .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ اللَّه يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة إِذَا أَنْتَ اسْتَفْهَمْتَهُمْ عَمَّنْ بِهِ يَسْتَعِينُونَ عِنْد نُزُول الْكَرْب بِهِمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر : اللَّه الْقَادِر عَلَى فَرَجِكُمْ عِنْد حُلُول الْكَرْب بِكُمْ , يُنَجِّيكُمْ مِنْ عَظِيم النَّازِل بِكُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر مِنْ هَمِّ الضَّلَال وَخَوْف الْهَلَاك وَمِنْ كَرْب كُلّ سِوَى ذَلِكَ وَهَمٍّ , لَا آلِهَتكُمْ الَّتِي تُشْرِكُونَ بِهَا فِي عِبَادَته , وَلَا أَوْثَانكُمْ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونه , الَّتِي لَا تَقْدِر لَكُمْ عَلَى نَفْع لَا ضُرّ , ثُمَّ أَنْتُمْ بَعْد تَفْضِيله عَلَيْكُمْ بِكَشْفِ النَّازِل بِكُمْ مِنْ الْكَرْب وَدَفْع الْحَالّ بِكُمْ مِنْ جَسِيم الْهَمّ تَعْدِلُونَ بِهِ آلِهَتكُمْ وَأَصْنَامكُمْ فَتُشْرِكُونَهَا فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهُ , وَذَلِكَ مِنْكُمْ جَهْل بِوَاجِبِ حَقّه عَلَيْكُمْ وَكُفْر لِأَيَادِيهِ عِنْدكُمْ وَتَعَرُّض مِنْكُمْ لِإِنْزَالِ عُقُوبَته عَاجِلًا بِكُمْ .
وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ " يُنْجِيكُمْ " بِالتَّشْدِيدِ , الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ . قِيلَ : مَعْنَاهُمَا وَاحِد مِثْل نَجَا وَأَنْجَيْته وَنَجَّيْته . وَقِيلَ : التَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ . وَالْكَرْب : الْغَمّ يَأْخُذ بِالنَّفْسِ ; يُقَال مِنْهُ : رَجُل مَكْرُوب . قَالَ عَنْتَرَة : وَمَكْرُوب كَشَفْت الْكَرْب عَنْهُ بِطَعْنَةِ فَيْصَلٍ لَمَّا دَعَانِي وَالْكُرْبَة مُشْتَقَّة مِنْ ذَلِكَ .



تَقْرِيع وَتَوْبِيخ ; مِثْل قَوْله فِي أَوَّل السُّورَة " ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ " . لِأَنَّ الْحُجَّة إِذَا قَامَتْ بَعْد الْمَعْرِفَة وَجَبَ الْإِخْلَاص , وَهُمْ قَدْ جَعَلُوا بَدَلًا مِنْهُ وَهُوَ الْإِشْرَاك ; فَحَسُنَ أَنْ يُقَرَّعُوا وَيُوَبَّخُوا عَلَى هَذِهِ الْجِهَة وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ قَبْل النَّجَاة .
مشاركة الموضوع