التفسير الميسر

سورة الروم الآية ٤٣

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۖ يَوْمَئِذٍۢ يَصَّدَّعُونَ ﴿٤٣﴾
فوجِّه وجهك -أيها الرسول- نحو الدين المستقيم، وهو الإسلام، منفذًا أوامره مجتنبًا نواهيه، واستمسك به من قبل مجيء يوم القيامة، فإذا جاء ذلك اليوم الذي لا يقدر أحد على ردِّه تفرقت الخلائق أشتاتًا متفاوتين؛ ليُروا أعمالهم.
فوجه وجهك -يا محمد- نحو الدين المستقيم, وهو الإسلام, منفذا أوامره مجتنبا نواهيه, واستمسك به من قبل مجيء يوم القيامة, فإذا جاء ذلك اليوم الذي لا يقدر أحد على رده تفرقت الخلائق أشتاتا متفاوتين; ليروا أعمالهم.
"فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم" دِين الْإِسْلَام "مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِي يَوْم لَا مَرَدّ لَهُ مِنْ اللَّه" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة "يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ" فِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الصَّاد : يَتَفَرَّقُونَ بَعْد الْحِسَاب إلَى الْجَنَّة وَالنَّار
يَقُول تَعَالَى آمِرًا عِبَاده بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الِاسْتِقَامَة فِي طَاعَته وَالْمُبَادَرَة إِلَى الْخَيْرَات " فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِي يَوْم لَا مَرَدّ لَهُ مِنْ اللَّه " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة إِذَا أَرَادَ كَوْنه فَلَا رَادّ لَهُ " يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ " أَيْ يَتَفَرَّقُونَ فَفَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْم لَا مَرَدّ لَهُ مِنْ اللَّه يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَوَجِّهْ وَجْهك يَا مُحَمَّد نَحْو الْوَجْه الَّذِي وَجَّهَك إِلَيْهِ رَبّك { لِلدِّينِ الْقَيِّم } لِطَاعَةِ رَبّك , وَالْمِلَّة الْمُسْتَقِيمَة الَّتِي لَا اِعْوِجَاج فِيهَا عَنْ الْحَقّ { مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْم لَا مَرَدّ لَهُ مِنْ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مِنْ قَبْل مَجِيء يَوْم مِنْ أَيَّام اللَّه لَا مَرَدّ لَهُ لِمَجِيئِهِ , لِأَنَّ اللَّه قَدْ قَضَى بِمَجِيئِهِ فَهُوَ لَا مَحَالَة جَاءَ { يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يَقُول : يَوْم يَجِيء ذَلِكَ الْيَوْم يَصَّدَّع النَّاس , يَقُول : يَتَفَرَّق النَّاس فِرْقَتَيْنِ ; مِنْ قَوْلهمْ : صَدَعْت الْغَنَم صَدْعَتَيْنِ : إِذَا فَرَّقْتهَا فِرْقَتَيْنِ : فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَفَرِيق فِي السَّعِير . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21338 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم } الْإِسْلَام { مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْم لَا مَرَدّ لَهُ مِنْ اللَّه يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَفَرِيق فِي السَّعِير . 21339 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يَقُول : يَتَفَرَّقُونَ . 21340 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { يَصَّدَّعُونَ } قَالَ : يَتَفَرَّقُونَ إِلَى الْجَنَّة , وَإِلَى النَّار.
قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ أَقِمْ قَصْدك , وَاجْعَلْ جِهَتك اِتِّبَاع الدِّين الْقَيِّم ; يَعْنِي الْإِسْلَام . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَوْضِحْ الْحَقّ وَبَالِغْ فِي الْإِعْذَار , وَاشْتَغِلْ بِمَا أَنْتَ فِيهِ وَلَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ .


أَيْ لَا يَرُدّهُ اللَّه عَنْهُمْ , فَإِذَا لَمْ يَرُدّهُ لَمْ يَتَهَيَّأ لِأَحَدٍ دَفْعه . وَيَجُوز عِنْد غَيْر سِيبَوَيْهِ " لَا مَرَدّ لَهُ " وَذَلِكَ عِنْد سِيبَوَيْهِ بَعِيد , إِلَّا أَنْ يَكُون فِي الْكَلَام عَطْف . وَالْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة .


قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَاهُ يَتَفَرَّقُونَ . وَقَالَ الشَّاعِر : وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَة حِقْبَة مِنْ الدَّهْر حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا أَيْ لَنْ يَتَفَرَّقَا ; نَظِيره قَوْله تَعَالَى : " يَوْمئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ " [ الرُّوم : 14 ] " فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير " . وَالْأَصْل يَتَصَدَّعُونَ ; وَيُقَال : تَصَدَّعَ الْقَوْم إِذَا تَفَرَّقُوا ; وَمِنْهُ اُشْتُقَّ الصُّدَاع , لِأَنَّهُ يُفَرِّق شُعَب الرَّأْس .
مشاركة الموضوع