التفسير الميسر

سورة الأنبياء الآية ٤٠

بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةًۭ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٤٠﴾
ولسوف تأتيهم الساعة فجأة، فيتحيَّرون عند ذلك، ويخافون خوفًا عظيمًا، ولا يستطيعون دَفْعَ العذاب عن أنفسهم، ولا يُمْهلون لاستدراك توبة واعتذار.
" بَلْ تَأْتِيهِمْ " النار " بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ " من الانزعاج والذعر والخوف العظيم.
" فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا " إذ هم أذل وأضعف, من ذلك.
" وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ " أي: يمهلون, فيؤخر عنهم العذاب.
فلو علموا هذه الحالة حق المعرفة, لما استعجلوا بالعذاب, ولخافوه أشد الخوف.
ولكن لما ترحل عنهم هذا العلم, قالوا ما قالوا.
ولما ذكر استهزاءهم برسوله بقولهم " أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ " سلاه بأن هذا دأب الأمم السالفة مع رسلهم فقال:
"بَلْ تَأْتِيهِمْ" الْقِيَامَة "بَغْتَة فَتَبْهَتهُمْ" تُحَيِّرهُمْ "فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ" يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ أَوْ مَعْذِرَةٍ
وَقَوْله " بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَة " أَيْ " تَأْتِيهِمْ النَّار بَغْتَة " أَيْ فَجْأَة فَتَبْهَتهُمْ " أَيْ تَذْعَرهُمْ فَيَسْتَسْلِمُونَ لَهَا حَائِرِينَ لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ" فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا " أَيْ لَيْسَ لَهُمْ حِيلَة فِي ذَلِكَ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ " أَيْ وَلَا يُؤَخَّر عَنْهُمْ ذَلِكَ سَاعَة وَاحِدَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا تَأْتِي هَذِهِ النَّار الَّتِي تَلْفَح وُجُوه هَؤُلَاءِ الْكُفَّار الَّذِينَ وَصَفَ أَمْرهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة حِين تَأْتِيهِمْ عَنْ عِلْم مِنْهُمْ بِوَقْتِهَا , وَلَكِنَّهَا تَأْتِيهِمْ مُفَاجَأَة لَا يَشْعُرُونَ بِمَجِيئِهَا .

يَقُول : فَتَغْشَاهُمْ فَجْأَة , وَتَلْفَح وُجُوههمْ مُعَايَنَة كَالرَّجُلِ يَبْهَت الرَّجُل فِي وَجْهه بِالشَّيْءِ , حَتَّى يَبْقَى الْمَبْهُوت كَالْحَيْرَانِ مِنْهُ .


يَقُول : فَلَا يُطِيقُونَ حِين تَبْغَتهُمْ فَتَبْهَتهُمْ دَفْعهَا عَنْ أَنْفُسهمْ .


يَقُول : وَلَا هُمْ وَإِنْ لَمْ يُطِيقُوا دَفْعهَا عَنْ أَنْفُسهمْ يُؤَخَّرُونَ بِالْعَذَابِ بِهَا لِتَوْبَةٍ يُحْدِثُونَهَا وَإِنَابَة يُنِيبُونَ , لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِين عَمَل وَسَاعَة تَوْبَة وَإِنَابَة , بَلْ هِيَ سَاعَة مُجَازَاة وَإِثَابَة .
أَيْ فَجْأَة يَعْنِي الْقِيَامَة . وَقِيلَ : الْعُقُوبَة . وَقِيلَ : النَّار فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ حِيلَة


قَالَ الْجَوْهَرِيّ : بَهَتَهُ بَهْتًا أَخَذَهُ بَغْتَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَة فَتَبْهَتهُمْ " وَقَالَ الْفَرَّاء : " فَتَبْهَتهُمْ " أَيْ تُحَيِّرهُمْ , يُقَال : بَهَتَهُ يَبْهَتهُ إِذَا وَاجَهَهُ بِشَيْءٍ يُحَيِّرهُ . وَقِيلَ : فَتَفْجَأهُمْ .




أَيْ صَرْفهَا عَنْ ظُهُورهمْ .


أَيْ لَا يُمْهَلُونَ وَيُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ وَاعْتِذَار .
مشاركة الموضوع