التفسير الميسر

سورة طه الآية ١٣

وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ﴿١٣﴾
وإني اخترتك يا موسى لرسالتي، فاستمع لما يوحى إليك مني.
" وَأَنَا اخْتَرْتُكَ " أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس.
وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه, تقتضي من الشكر, ما يليق بها, ولهذا قال: " فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى " أي: ألق سمعك للذي أوحى إليك فإنه حقيق بذلك, لأنه أصل الدين ومبدأه, وعماد الدعوة الإسلامية.
"وَأَنَا اخْتَرْتُك" مِنْ قَوْمك "فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى" إلَيْك مِنِّي
وَقَوْله " وَأَنَا اِخْتَرْتُك " كَقَوْلِهِ " إِنِّي اِصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاس بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي " أَيْ عَلَى جَمِيع النَّاس مِنْ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانه وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ يَا مُوسَى أَتَدْرِي لِمَ خَصَصْتُك بِالتَّكْلِيمِ مِنْ بَيْن النَّاس ؟ قَالَ لَا قَالَ لِأَنِّي لَمْ يَتَوَاضَع إِلَيَّ أَحَد تَوَاضُعك وَقَوْله " فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى " أَيْ اِسْتَمِعْ الْآن مَا أَقُول لَك وَأُوحِيه إِلَيْك .
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَا اخْتَرْتُك فَاسْتَمعْ لمَا يُوحَى } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة الْقُرَّاء الَّذينَ قَرَءُوا : " وَأَنَّا " بتَشْديد النُّون , و { أَنَّا } بفَتْح الْأَلف منْ " أَنَّا " رَدًّا عَلَى : نُوديَ يَا مُوسَى , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عنْدهمْ : نُوديَ يَا مُوسَى إنّي أَنَّا رَبّك , وَأَنَّا اخْتَرْتُك , وَبهَذه الْقرَاءَة قَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة . وَأَمَّا عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة فَقَرَءُوهُ : { وَأَنَا اخْتَرْتُك } بتَخْفيف النُّون عَلَى وَجْه الْخَبَر منْ اللَّه عَنْ نَفْسه أَنَّهُ اخْتَارَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنْ يُقَال : إنَّهُمَا قرَاءَتَان قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا قُرَّاء أَهْل الْعلْم بالْقُرْآن , مَعَ اتّفَاق مَعْنَيَيْهمَا . فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب فيه . وَتَأْويل الْكَلَام : نُوديَ أَنَّا اخْتَرْنَاك . فَاجْتَبَيْنَاك لرسَالَتنَا إلَى مَنْ نُرْسلك إلَيْه { فَاسْتَمعْ إلَى مَا يُوحَى } يَقُول : فَاسْتَمعْ لوَحْينَا الَّذي نُوحيه إلَيْك وَعه , وَاعْمَلْ به .
أَيْ أَصْطَفَيْتُك لِلرِّسَالَةِ . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ " وَأَنَا اِخْتَرْتُك " . وَقَرَأَ حَمْزَة " وَأَنَّا اِخْتَرْنَاك " . وَالْمَعْنَى وَاحِد إِلَّا أَنَّ " وَأَنَا اِخْتَرْتُك " هَاهُنَا أَوْلَى مِنْ جِهَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا أَشْبَه بِالْخَطِّ , وَالثَّانِيَة أَنَّهَا أَوْلَى بِنَسَقِ الْكَلَام ; لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبّك فَاخْلَعْ نَعْلَيْك " وَعَلَى هَذَا النَّسَق جَرَتْ الْمُخَاطَبَة ; قَالَهُ النَّحَّاس .



فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة : قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَحَدَّثَنِي أَبِي - رَحِمَهُ اللَّه - قَالَ سَمِعْت أَبَا الْفَضْل الْجَوْهَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى يَقُول : لَمَّا قِيلَ لِمُوسَى صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ : " اِسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى " وَقَفَ عَلَى حَجَر , وَاسْتَنَدَ إِلَى حَجَر , وَوَضَعَ يَمِينه عَلَى شِمَاله , وَأَلْقَى ذَقَنه عَلَى صَدْره , وَوَقَفَ يَسْتَمِع , وَكَانَ كُلّ لِبَاسه صُوفًا . قُلْت : حُسْن الِاسْتِمَاع كَمَا يَجِب قَدْ مَدَحَ اللَّه عَلَيْهِ فَقَالَ : " الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنه أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّه " [ الزُّمَر : 18 ] وَذَمَّ عَلَى خِلَاف هَذَا الْوَصْف فَقَالَ : " نَحْنُ أَعْلَم بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ " الْآيَة . فَمَدَحَ الْمُنْصِت لِاسْتِمَاعِ كَلَامه مَعَ حُضُور الْعَقْل , وَأَمَرَ عِبَاده بِذَلِكَ أَدَبًا لَهُمْ , فَقَالَ : " وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [ الْأَعْرَاف : 204 ] وَقَالَ هَاهُنَا : " فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى " لِأَنَّ بِذَلِكَ يُنَال الْفَهْم عَنْ اللَّه تَعَالَى . رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُ قَالَ : مِنْ أَدَب الِاسْتِمَاع سُكُون الْجَوَارِح وَغَضّ الْبَصَر , وَالْإِصْغَاء بِالسَّمْعِ , وَحُضُور الْعَقْل , وَالْعَزْم عَلَى الْعَمَل , وَذَلِكَ هُوَ الِاسْتِمَاع كَمَا يُحِبّ اللَّه تَعَالَى ; وَهُوَ أَنْ يَكُفّ الْعَبْد جَوَارِحه , وَلَا يَشْغَلهَا . فَيَشْتَغِل قَلْبه عَمَّا يَسْمَع , وَيَغُضّ طَرْفه فَلَا يَلْهُو قَلْبه بِمَا يَرَى , وَيَحْصُر عَقْله فَلَا يُحَدِّث نَفْسه بِشَيْءٍ سِوَى مَا يَسْتَمِع إِلَيْهِ , وَيَعْزِم عَلَى أَنْ يَفْهَم فَيَعْمَل بِمَا يَفْهَم . وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة أَوَّل الْعِلْم الِاسْتِمَاع , ثُمَّ الْفَهْم , ثُمَّ الْحِفْظ , ثُمَّ الْعَمَل , ثُمَّ النَّشْر ; فَإِذَا اِسْتَمَعَ الْعَبْد إِلَى كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَسُنَّة نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِنِيَّةٍ صَادِقَة عَلَى مَا يُحِبّ اللَّه أَفْهَمَهُ كَمَا يُحِبّ , وَجَعَلَ لَهُ فِي قَلْبه نُورًا .
مشاركة الموضوع