تفسير الجلالين

سورة الضحى الآية ٨

وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ ﴿٨﴾
" وَوَجَدَك عَائِلًا " فَقِيرًا " فَأَغْنَى " أَغْنَاك بِمَا قَنَّعَك بِهِ مِنْ الْغَنِيمَة وَغَيْرهَا وَفِي الْحَدِيث : " لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَة الْعَرَض وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس "
ووجدك فقيرا, فساق لك رزقك, وأغنى نفسك بالقناعة والصبر؟
ألم يَجِدْك من قبلُ يتيمًا، فآواك ورعاك؟ ووجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلَّمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال؟ ووجدك فقيرًا، فساق لك رزقك، وأغنى نفسك بالقناعة والصبر؟
وَقَوْله تَعَالَى " وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى " أَيْ كُنْت فَقِيرًا ذَا عِيَال فَأَغْنَاك اللَّه عَمَّنْ سِوَاهُ فَجَمَعَ لَهُ بَيْن مَقَامَيْ الْفَقِير الصَّابِر وَالْغَنِيّ الشَّاكِر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله" أَلَمْ يَجِدك يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَك ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى " قَالَ كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَبْعَثهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَة الْعَرَض وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس " وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّه بِمَا آتَاهُ " .
وَقَوْله : { وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى } يَقُول : وَوَجَدَك فَقِيرًا فَأَغْنَاك , يُقَال مِنْهُ : عَالَ فُلَان يَعِيل عَيْلَة , وَذَلِكَ إِذَا اِفْتَقَرَ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فَمَا يَدْرِي الْفَقِير مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيّ مَتَى يَعِيل يَعْنِي : مَتَى يَفْتَقِر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29055 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان { وَوَجَدَك عَائِلًا } فَقِيرًا . وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " وَوَجَدَك عَدِيمًا فَآوَى " . 29056 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَلَمْ يَجِدك يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَك ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى } قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَبْل أَنْ يَبْعَثهُ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى .
أَيْ فَقِيرًا لَا مَال لَك . " فَأَغْنَى " أَيْ فَأَغْنَاك بِخَدِيجَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا يُقَال : عَالَ الرَّجُل يَعِيل عَيْلَة : إِذَا اِفْتَقَرَ . وَقَالَ أُحَيْحَة بْن الْجُلَاح : فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يعيل أَيْ يَفْتَقِر . وَقَالَ مُقَاتِل : فَرَضَّاك بِمَا أَعْطَاك مِنْ الرِّزْق . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : قَنَّعَك بِالرِّزْقِ . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : وَوَجَدَك فَقِيرَ النَّفْس , فَأَغْنَى قَلْبك . وَقَالَ الْأَخْفَش : وَجَدَك ذَا عِيَال دَلِيله " فَأَغْنَى " . وَمِنْهُ قَوْل جَرِير : اللَّهُ أَنْزَلَ فِي الْكِتَابِ فَرِيضَةً لِابْنِ السَّبِيلِ وَلِلْفَقِيرِ الْعَائِلِ وَقِيلَ : وَجَدَك فَقِيرًا مِنْ الْحُجَج وَالْبَرَاهِين , فَأَغْنَاك بِهَا . وَقِيلَ : أَغْنَاك بِمَا فَتَحَ لَك مِنْ الْفُتُوح , وَأَفَاءَهُ عَلَيْك مِنْ أَمْوَال الْكُفَّار . الْقُشَيْرِيّ وَفِي هَذَا نَظَر ; لِأَنَّ السُّورَة مَكِّيَّة , وَإِنَّمَا فُرِضَ الْجِهَاد بِالْمَدِينَةِ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " عَائِلًا " . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " عَيِّلًا " بِالتَّشْدِيدِ مِثْل طَيِّب وَهَيِّن .
مشاركة الموضوع