تفسير الجلالين

سورة القمر الآية ٢٥

أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌۭ ﴿٢٥﴾
"أَأُلْقِيَ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيل الثَّانِيَة وَإِدْخَال أَلِف بَيْنهمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَتَرْكه "الذِّكْر" الْوَحْي "عَلَيْهِ مِنْ بَيْننَا" أَيْ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ "بَلْ هُوَ كَذَّاب" فِي قَوْله إنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ "أَشِر" مُتَكَبِّر بَطِر
أأنزل عليه الوحي وخص بالنبوة من بيننا, وهو واحد منا؟ بل هو كثير الكذب والتجبر.
أأُنزل عليه الوحي وخُصَّ بالنبوة مِن بيننا، وهو واحد منا؟ بل هو كثير الكذب والتجبر. سَيَرون عند نزول العذاب بهم في الدنيا ويوم القيامة مَنِ الكذاب المتجبر؟
ثُمَّ تَعَجَّبُوا مِنْ إِلْقَاء الْوَحْي عَلَيْهِ خَاصَّة مِنْ دُونهمْ ثُمَّ رَمَوْهُ بِالْكَذِبِ فَقَالُوا " بَلْ هُوَ كَذَّاب أَشِر " أَيْ مُتَجَاوِز فِي حَدّ الْكَذِب .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَأُلْقِيَ الذِّكْر عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مُكَذِّبِي رَسُولِهِ صَالِحٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْمه ثَمُود : أَأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْر مِنْ بَيْنِنَا , يَعْنُونَ بِذَلِكَ : أَنَزَلَ الْوَحْي وَخُصَّ بِالنُّبُوَّةِ مِنْ بَيْنِنَا وَهُوَ وَاحِد مِنَّا , إِنْكَارًا مِنْهُمْ أَنْ يَكُون اللَّه يُرْسِل رَسُولًا مِنْ بَنِي آدَم .

وَقَوْله : { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } يَقُول : قَالُوا : مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَلْ هُوَ كَذَّاب أَشِر , يَعْنُونَ بِالْأَشِرِ : الْمَرِح ذَا التَّجَبُّر وَالْكِبْرِيَاء , وَالْمَرَح مِنَ النَّشَاط . وَقَدْ : 25375 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد الْقُرَشِيّ , قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد : مَا الْكَذَّاب الْأَشِر ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يُبَالِي مَا قَالَ , وَبِكَسْرِ الشِّين مِنَ الْأَشَرِ وَتَخْفِيف الرَّاء قَرَأَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهُ : " كَذَّاب أَشُرٌ " بِضَمِّ الشِّين وَتَخْفِيف الرَّاء , وَذَلِكَ فِي الْكَلَام نَظِير الْحَذِر وَالْحَذُر وَالْعَجِل وَالْعَجُل. وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ .
أَيْ خُصِّصَ بِالرِّسَالَةِ مِنْ بَيْن آل ثَمُود وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْثَر مَالًا وَأَحْسَن حَالًا ؟ ! وَهُوَ اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار .

أَيْ لَيْسَ كَمَا يَدَّعِيه وَإِنَّمَا يُرِيد أَنْ يَتَعَاظَم وَيَلْتَمِس التَّكَبُّر عَلَيْنَا مِنْ غَيْر اِسْتِحْقَاق . وَالْأَشَر الْمَرَح وَالتَّجَبُّر وَالنَّشَاط . يُقَال : فَرَس أَشِر إِذَا كَانَ مَرِحًا نَشِيطًا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس يَصِف كَلْبًا : فَيُدْرِكنَا فَغِمٌ دَاجِنٌ سَمِيع بَصِير طَلُوب نَكِرْ أَلَصُّ الضُّرُوس حَنِيُّ الضُّلُوع تَبُوعٌ أَرِيب نَشِيط أَشِرْ وَقِيلَ : " أَشِر " بَطِر . وَالْأَشَر الْبَطَر ; قَالَ الشَّاعِر : أَشِرْتُمْ بِلُبْسِ الْخَزّ لِمَا لَبِسْتُمُ وَمِنْ قَبْلُ مَا تَدْرُونَ مَنْ فَتَحَ الْقُرَى وَقَدْ أَشِرَ بِالْكَسْرِ يَأْشَر أَشَرًا فَهُوَ أَشِر وَأَشْرَان , وَقَوْم أُشَارَى مِثْل سَكْرَان وَسُكَارَى ; قَالَ الشَّاعِر : وَخَلَّتْ وُعُولًا أُشَارَى بِهَا وَقَدْ أَزْهَفَ الطَّعْنُ أَبْطَالَهَا وَقِيلَ : إِنَّهُ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَنْزِلَة لَا يَسْتَحِقّهَا ; وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن حَمَّاد : الْأَشِر الَّذِي لَا يُبَالِي مَا قَالَ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَأَبُو قِلَابَةَ " أَشَرّ " بِفَتْحِ الشِّين وَتَشْدِيد الرَّاء يَعْنِي بِهِ أَشَرّنَا وَأَخْبَثنَا .
مشاركة الموضوع