تفسير الجلالين

سورة الطور الآية ٣٧

أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ ﴿٣٧﴾
"أَمْ عِنْدهمْ خَزَائِن رَبّك" مِنْ النُّبُوَّة وَالرِّزْق وَغَيْرهمَا فَيَخُصُّوا مَنْ شَاءُوا بِمَا شَاءُوا "أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ" الْمُتَسَلِّطُونَ الْجَبَّارُونَ وَفِعْله سَيْطَرَ وَمِثْله بَيْطَرَ وَبَيْقَرَ
أم عندهم خزائن ربك يتصرفون فيها, أم هم الجبارون المتسلطون على خلق الله بالقهر والغلبة؟ ليس الأمر كذلك , بل هم العاجزون الضعفاء.
أم عندهم خزائن ربك يتصرفون فيها، أم هم الجبارون المتسلطون على خلق الله بالقهر والغلبة؟ ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الضعفاء.
أَيْ أَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمُلْك وَبِيَدِهِمْ مَفَاتِيح الْخَزَائِن " أَمْ هُمْ الْمُصَيْطِرُونَ " أَيْ الْمُحَاسِبُونَ لِلْخَلَائِقِ ؟ لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ بَلْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْمَالِك الْمُتَصَرِّف الْفَعَّال لِمَا يُرِيد .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِن رَبّك أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَعِنْد هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه خَزَائِنُ رَبّك يَا مُحَمَّد , فَهُمْ لِاسْتِغْنَائِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ آيَات رَبّهمْ مُعْرِضُونَ , أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَمْ هُمُ الْمُسَلَّطُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25066 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } يَقُول : الْمُسَلَّطُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَمْ هُمُ الْمُنْزِلُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25067 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَمْ عِنْدهمْ خَزَائِن رَبّك أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } قَالَ : يَقُول أَمْ هُمُ الْمُنْزِلُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَمْ هُمُ الْأَرْبَاب , وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : يُقَال : سَيْطَرْت عَلَيَّ : أَيْ اتَّخَذْتنِي خَوَلًا لَك . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَمْ هُمُ الْجَبَّارُونَ الْمُتَسَلِّطُونَ الْمُسْتَكْبِرُونَ عَلَى اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَيْطِر فِي كَلَام الْعَرَب الْجَبَّار الْمُتَسَلِّط , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } 88 22 . يَقُول : لَسْت عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ مُسَلَّط .
أَمْ عِنْدهمْ ذَلِكَ فَيَسْتَغْنُوا عَنْ اللَّه وَيُعْرِضُوا عَنْ أَمْره . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : خَزَائِن رَبّك الْمَطَر وَالرِّزْق . وَقِيلَ : مَفَاتِيح الرَّحْمَة . وَقَالَ عِكْرِمَة : النُّبُوَّة . أَيْ أَفَبِأَيْدِيهِمْ مَفَاتِيح رَبّك بِالرِّسَالَةِ يَضَعُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . وَضَرَبَ الْمَثَل بِالْخَزَائِنِ ; لِأَنَّ الْخِزَانَة بَيْت يُهَيَّأ لِجَمْعِ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة مِنْ الذَّخَائِر ; وَمَقْدُورَات الرَّبّ كَالْخَزَائِنِ الَّتِي فِيهَا مِنْ كُلّ الْأَجْنَاس فَلَا نِهَايَة لَهَا .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُسَلَّطُونَ الْجَبَّارُونَ . وَعَنْهُ أَيْضًا : الْمُبْطِلُونَ . وَقَالَهُ الضَّحَّاك . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : أَمْ هُمْ الْمُتَوَلُّونَ . عَطَاء : أَمْ هُمْ أَرْبَاب قَاهِرُونَ . قَالَ عَطَاء : يُقَال تَسَيْطَرْت عَلَيَّ أَيْ اِتَّخَذْتنِي خَوَلًا لَك . وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة . وَفِي الصِّحَاح : الْمُسَيْطِر وَالْمُصَيْطِر الْمُسَلَّط عَلَى الشَّيْء لِيُشْرِف عَلَيْهِ وَيَتَعَهَّد أَحْوَاله وَيَكْتُب عَمَله , وَأَصْله مِنْ السَّطْر ; لِأَنَّ الْكِتَاب يُسَطَّر وَاَلَّذِي يَفْعَلهُ مُسَطِّر وَمُسَيْطِر . يُقَال سَيْطَرْت عَلَيْنَا . اِبْن بَحْر : " أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ " أَيْ هُمْ الْحَفَظَة ; مَأْخُوذ مِنْ تَسْطِير الْكِتَاب الَّذِي يَحْفَظ مَا كُتِبَ فِيهِ ; فَصَارَ الْمُسَيْطِر هَا هُنَا حَافِظًا مَا كَتَبَهُ اللَّه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات : الصَّاد وَبِهَا قَرَأَتْ الْعَامَّة , وَالسِّين وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَمُجَاهِد وَقُنْبُل وَهِشَام وَأَبِي حَيْوَة , وَبِإِشْمَامِ الصَّاد الزَّاي وَهِيَ قِرَاءَة حَمْزَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الصِّرَاط " [ الْفَاتِحَة : 6 ] .
مشاركة الموضوع