تفسير الجلالين

سورة غافر الآية ٨

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٨﴾
"رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّات عَدْن" إقَامَة "الَّتِي وَعَدْتهمْ وَمَنْ صَلَحَ" عُطِفَ عَلَى هُمْ فِي وَأَدْخَلَهُمْ أَوْ فِي وَعَدْتهمْ "مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم" فِي صُنْعه
ربنا وادخل المؤمنين جنات عدن التي وعدتهم, ومن صلح بالإيمان والعمل الصالح من أبائهم وأزواجهم وأولادهم.
إنك أنت العزيز القاهر لكل شيء, الحكيم في تدبيره وصنعه.
ربنا وأدخل المؤمنين جنات عدن التي وعدتهم، ومَن صلح بالإيمان والعمل الصالح من آبائهم وأزواجهم وأولادهم. إنك أنت العزيز القاهر لكل شيء، الحكيم في تدبيره وصنعه.
أَيْ اِجْمَعْ بَيْنهمْ وَبَيْنهمْ لِتُقِرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَنَازِل مُتَجَاوِرَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء " أَيْ سَاوَيْنَا بَيْن الْكُلّ فِي الْمَنْزِلَة لِتَقَرَّ أَعْيُنهمْ وَمَا نَقَصْنَا الْعَالِي حَتَّى يُسَاوِي الدَّانِي بَلْ رَفَعْنَا نَاقِص الْعَمَل فَسَاوَيْنَاهُ بِكَثِيرِ الْعَمَل تَفَضُّلًا مِنَّا وَمِنَّة . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر إِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا دَخَلَ الْجَنَّة سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنه وَأَخِيهِ أَيْنَ هُمْ ؟ فَيُقَال إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا طَبَقَتك فِي الْعَمَل فَيَقُول إِنِّي إِنَّمَا عَمِلْت لِي وَلَهُمْ فَيُلْحَقُونَ بِهِ فِي الدَّرَجَة ثُمَّ تَلَا سَعِيد بْن جُبَيْر هَذِهِ الْآيَة " رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّات عَدْن الَّتِي وَعَدْتهمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " قَالَ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير أَنْصَحُ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ " رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتهمْ " الْآيَة وَأَغَشّ عِبَادِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الشَّيَاطِين . وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " أَيْ الَّذِي لَا يُمَانَع وَلَا يُغَالَب وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ الْحَكِيم فِي أَقْوَالِك وَأَفْعَالِك مِنْ شَرْعك وَقَدْرك .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّات عَدْن الَّتِي وَعَدْتهمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ دُعَاء مَلَائِكَته لِأَهْلِ الْإِيمَان بِهِ مِنْ عِبَاده , تَقُول : يَا { رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّات عَدْن } يَعْنِي : بَسَاتِين إِقَامَة { الَّتِي وَعَدْتهمْ } يَعْنِي الَّتِي وَعَدْت أَهْل الْإِنَابَة إِلَى طَاعَتك أَنْ تُدْخِلهُمُوهَا { وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ } يَقُول : وَأَدْخِلْ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَابُوا { وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } جَنَّات عَدْن وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ , فَعَمِلَ بِمَا يُرْضِيك عَنْهُ مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الدُّنْيَا , وَذُكِرَ أَنَّهُ يَدْخُل مَعَ الرَّجُل أَبَوَاهُ وَوَلَده وَزَوْجَته الْجَنَّة , وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَمَله بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه إِيَّاهُ , كَمَا : 23344 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان الْعِجْلِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سَعِيد , قَالَ : يَدْخُل الرَّجُل الْجَنَّة , فَيَقُول : أَيْنَ أَبِي , أَيْنَ أُمِّي , أَيْنَ وَلَدِي , أَيْنَ زَوْجَتِي , فَيُقَال : لَمْ يَعْمَلُوا مِثْل عَمَلك , فَيَقُول : كُنْت أَعْمَل لِي وَلَهُمْ , فَيُقَال : أَدْخِلُوهُمْ الْجَنَّة ; ثُمَّ قَرَأَ { جَنَّات عَدْن الَّتِي وَعَدْتهمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ } . فَمَنْ إِذَنْ , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله { وَأَدْخِلْهُمْ } وَجَائِز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْعَطْف عَلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي وَعَدْتهمْ { إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول : إِنَّك أَنْتَ يَا رَبّنَا الْعَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِنْ أَعْدَائِهِ , الْحَكِيم فِي تَدْبِيره خَلْقه .
يُرْوَى أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ لِكَعْب الْأَحْبَار : مَا جَنَّات عَدْن . قَالَ : قُصُور مِنْ ذَهَب فِي الْجَنَّة يَدْخُلهَا النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء وَأَئِمَّة الْعَدْل . " الَّتِي وَعَدْتهمْ " " الَّتِي " فِي مَحَلّ نَصْب نَعْتًا لِلْجَنَّاتِ .

" مَنْ " فِي مَحَلّ نَصْب عَطْفًا عَلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : " وَأَدْخِلْهُمْ " . " وَمَنْ صَلَحَ " بِالْإِيمَانِ

وَقَدْ مَضَى فِي [ الرَّعْد ] نَظِير هَذِهِ الْآيَة . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : يَدْخُل الرَّجُل الْجَنَّة , فَيَقُول : يَا رَبّ أَيْنَ أَبِي وَجَدِّي وَأُمِّي ؟ وَأَيْنَ وَلَدِي وَوَلَدُ وَلَدِي ؟ وَأَيْنَ زَوْجَاتِي ؟ فَيُقَال إِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا كَعَمَلِك ; فَيَقُول : يَا رَبّ كُنْت أَعْمَل لِي وَلَهُمْ ; فَيُقَال أَدْخِلُوهُمْ الْجَنَّة . ثُمَّ تَلَا : " الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْش وَمَنْ حَوْله " إِلَى قَوْله : " وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجهمْ وَذُرِّيَّاتهمْ " . وَيَقْرُب مِنْ هَذِهِ الْآيَة قَوْله : " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتهمْ " [ الطُّور : 21 ] .

الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا يُرِيدهُ

فِيمَا تَفْعَلهُ
مشاركة الموضوع