تفسير الجلالين

سورة الشعراء الآية ٢٠٠

كَذَٰلِكَ سَلَكْنَٰهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٢٠٠﴾
"كَذَلِكَ" أَيْ مِثْل إدْخَالنَا التَّكْذِيب بِهِ بِقِرَاءَةِ الْأَعْجَمِيّ "سَلَكْنَاهُ" أَدْخَلْنَا التَّكْذِيب بِهِ "فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ" كُفَّار مَكَّة بِقِرَاءَةِ النَّبِيّ
" كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ " , أي: أدخلنا التكذيب, ونظمناه في قلوب أهل الإجرام, كما يدخل السلك في الإبرة, فتشربته, وصار وصفا لها.
ولو نَزَّلنا القرآن على بعض الذين لا يتكلمون بالعربية، فقرأه على كفار قريش قراءة عربية صحيحة، لكفروا به أيضًا، وانتحلوا لجحودهم عذرًا. كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين جحود القرآن، وصار متمكنًا فيها؛ وذلك بسبب ظلمهم وإجرامهم، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عمَّا هم عليه من إنكار القرآن، حتى يعاينوا العذاب الشديد الذي وُعِدوا به.
يَقُول تَعَالَى كَذَلِكَ سَلَكْنَا التَّكْذِيب وَالْكُفْر وَالْجُحُود وَالْعِنَاد أَيْ أَدْخَلْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ .
{ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } التَّكْذِيب وَالْكُفْر { فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ } . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : سَلَكْنَا : أَدْخَلْنَا , وَالْهَاء فِي قَوْله { سَلَكْنَاهُ } كِنَايَة مِنْ ذِكْر قَوْله { مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } , كَأَنَّهُ قَالَ : كَذَلِكَ أَدْخَلْنَا فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ تَرْك الْإِيمَان بِهَذَا الْقُرْآن. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20353 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } قَالَ : الْكُفْر { فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ } . 20355 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ . لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَاب الْأَلِيم } . 20356 -حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن أَبِي الزَّرْقَاء , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن , فِي هَذِهِ الْآيَة : { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ } قَالَ : خَلَقْنَاهُ. 20357 - قَالَ : ثَنَا زَيْد , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ حُمَيْد , قَالَ : سَأَلْت الْحَسَن فِي بَيْت أَبِي خَلِيفَة , عَنْ قَوْله { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ } قَالَ : الشِّرْك سَلَكَهُ فِي قُلُوبهمْ .
يَعْنِي الْقُرْآن أَيْ الْكُفْر بِهِ



وَقِيلَ : سَلَكْنَا التَّكْذِيب فِي قُلُوبهمْ ; فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَان , قَالَهُ يَحْيَى بْن سَلَام وَقَالَ عِكْرِمَة : الْقَسْوَة . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب وَقَدْ مَضَى فِي " الْحِجْر " وَأَجَازَ الْفَرَّاء الْجَزْم فِي " لَا يُؤْمِنُونَ " ; لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْط وَالْمُجَازَاة . وَزَعَمَ أَنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب إِذَا وَضَعَتْ لَا مَوْضِع كَيْ لَا فِي مِثْل هَذَا رُبَّمَا جَزَمَتْ مَا بَعْدهَا وَرُبَّمَا رَفَعَتْ ; فَتَقُول : رَبَطْت الْفَرَس لَا يَنْفَلِت بِالرَّفْعِ وَالْجَزْم , لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ أَرْبِطهُ يَنْفَلِت , وَالرَّفْع بِمَعْنَى كَيْلًا يَنْفَلِت . وَأَنْشَدَ لِبَعْضِ بَنِي عُقَيْل : وَحَتَّى رَأَيْنَا أَحْسَن الْفِعْل بَيْننَا مُسَاكَنَة لَا يَقْرَف الشَّرّ قَارِف بِالرَّفْعِ لَمَّا حَذَفَ كَيْ . وَمِنْ الْجَزْم قَوْل الْآخَر : لَطَالَمَا حَلَّأْتُمَاهَا لَا تَرِد فَخَلِّيَاهَا وَالسِّجَال تَبْتَرِد قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا كُلّه فِي " يُؤْمِنُونَ " خَطَأ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ , وَلَا يَجُوز الْجَزْم بِلَا جَازِم , وَلَا يَكُون شَيْء يَعْمَل عَمَلًا فَإِذَا حُذِفَ عَمِلَ عَمَلًا أَقْوَى , مِنْ عَمَله وَهُوَ مَوْجُود , فَهَذَا اِحْتِجَاج بَيِّنٌ
مشاركة الموضوع