تفسير الجلالين

سورة النور الآية ١٧

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُوا۟ لِمِثْلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٧﴾
"يَعِظكُمْ اللَّه" يَنْهَاكُمْ "أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" تَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ
" يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ " أي: لنظيره, من رمي المؤمنين بالفجور.
فالله يعظكم, وينصحكم عن ذلك, ونعم المواعظ والنصائح, من ربنا فيجب علينا مقابلتها, بالقبول والإذعان, والتسليم والشكر له, على ما بين لنا " إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ " .
" إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " دل ذلك على أن الإيمان الصادق, يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات.
يذكِّركم الله وينهاكم أن تعودوا أبدًا لمثل هذا الفعل من الاتهام الكاذب، إن كنتم مؤمنين به.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " يَعِظكُمْ اللَّه أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا " أَيْ يَنْهَاكُمْ اللَّه مُتَوَعِّدًا أَنْ يَقَع مِنْكُمْ مَا يُشْبِه هَذَا أَبَدًا أَيْ فِيمَا يُسْتَقْبَل وَلِهَذَا قَالَ " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَشَرْعه وَتُعَظِّمُونَ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالْكُفْرِ فَلَهُ حُكْم آخَر .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعِظكُمْ اللَّه أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُذَكِّركُمْ اللَّه وَيَنْهَاكُمْ بِآيِ كِتَابه , لِئَلَّا تَعُودُوا لِمِثْلِ فِعْلكُمْ الَّذِي فَعَلْتُمُوهُ فِي أَمْر عَائِشَة مِنْ تَلَقِّيكُمُ الْإِفْك الَّذِي رُوِيَ عَلَيْهَا بِأَلْسِنَتِكُمْ , وَقَوْلكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم فِيهَا أَبَدًا .

يَقُول : إِنْ كُنْتُمْ تَتَّعِظُونَ بِعِظَاتِ اللَّه وَتَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِهِ وَتَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19575 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَيُبَيِّن اللَّه لَكُمُ الْآيَات وَاللَّه عَلِيم حَكِيم } قَالَ : وَالَّذِي هُوَ خَيْر لَنَا مِنْ هَذَا , إِنَّ اللَّه أَعْلَمنَا هَذَا لِكَيْلَا نَقَع فِيهِ , لَوْلَا أَنَّ اللَّه أَعْلَمَنَا لَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكَ الْقَوْم , أَنْ يَقُول الرَّجُل : أَنَا سَمِعْته وَلَمْ أَخْتَرِقهُ وَلَمْ أَتَقَوَّلهُ , فَكَانَ خَيْرًا حِين أَعْلَمَنَاهُ اللَّه , لِئَلَّا نَدْخُل فِي مِثْله أَبَدًا , وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم .
ثُمَّ وَعَظَهُمْ تَعَالَى فِي الْعَوْدَة إِلَى مِثْل هَذِهِ الْحَالَة . وَ " أَنَّ " مَفْعُول مِنْ أَجْله , بِتَقْدِيرِ : كَرَاهِيَة أَنْ , وَنَحْوه . " أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ " يَعْنِي فِي عَائِشَة ; لِأَنَّ مِثْله لَا يَكُون إِلَّا نَظِير الْقَوْل فِي الْمَقُول عَنْهُ بِعَيْنِهِ , أَوْ فِيمَنْ كَانَ فِي مَرْتَبَته مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِذَايَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِرْضه وَأَهْله ; وَذَلِكَ كُفْر مِنْ فَاعِله .

قَالَ هِشَام بْن عَمَّار سَمِعْت مَالِكًا يَقُول : مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر أُدِّبَ , وَمَنْ سَبَّ عَائِشَة قُتِلَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " يَعِظكُمْ اللَّه أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " فَمَنْ سَبَّ عَائِشَة فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآن , وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآن قُتِلَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ مَنْ سَبَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أُدِّبَ كَمَا فِي سَائِر الْمُؤْمِنِينَ , وَلَيْسَ قَوْله : " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " فِي عَائِشَة لِأَنَّ ذَلِكَ كُفْر , وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يُؤْمِن مَنْ لَا يَأْمَن جَاره بَوَائِقه ) . وَلَوْ كَانَ سَلْب الْإِيمَان فِي سَبّ مَنْ سَبَّ عَائِشَة حَقِيقَة لَكَانَ سَلْبه فِي قَوْل : ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن ) حَقِيقَة. قُلْنَا : لَيْسَ كَمَا زَعَمْتُمْ ; فَإِنَّ أَهْل الْإِفْك رَمَوْا عَائِشَة الْمُطَهَّرَة بِالْفَاحِشَةِ فَبَرَّأَهَا اللَّه تَعَالَى فَكُلّ مَنْ سَبَّهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّه مِنْهُ مُكَذِّب لِلَّهِ , وَمَنْ كَذَّبَ اللَّه فَهُوَ كَافِر ; فَهَذَا طَرِيق قَوْل مَالِك , وَهِيَ سَبِيل لَائِحَة لِأَهْلِ الْبَصَائِر . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَبَّ عَائِشَة بِغَيْرِ مَا بَرَّأَهَا اللَّه مِنْهُ لَكَانَ جَزَاؤُهُ الْأَدَب .


تَوْقِيف وَتَوْكِيد ; كَمَا تَقُول : يَنْبَغِي لَك أَنْ تَفْعَل كَذَا وَكَذَا إِنْ كُنْت رَجُلًا .
مشاركة الموضوع