تفسير الجلالين

سورة الأنبياء الآية ٥٩

قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٥٩﴾
"قَالُوا" بَعْد رُجُوعهمْ وَرُؤْيَتهمْ مَا فَعَلَ "مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ" فِيهِ
فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة والخزي " قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ " فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده.
وإنما الظالم من اتخذها آلهة, وقد رأى ما يفعل بها " قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ " أي يعيبهم ويذمهم, ومن هذا شأنه لا بد أن يكون هو الذي كسرها أو أن بعضهم سمعه يذكر أنه سيكيدها " يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ " فلما تحققوا أنه إبراهيم " قَالُوا فَأْتُوا بِهِ " أي: بإبراهيم " عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ " أي بمرأى منهم ومسمع " لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ " .
أي: يحضرون ما يصنع بمن كسر آلهتهم, وهذا الذي أراد إبراهيم وقصد أن يكون بيان الحق بمشهد من الناس ليشاهدوا الحق وتقوم عليهم الحجة, كما قال موسى حين واعد فرعون.
" مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى " .
ورجع القوم، ورأوا أصنامهم محطمة مهانة، فسأل بعضهم بعضًا: مَن فعل هذا بآلهتنا؟ إنه لظالم في اجترائه على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير.
" قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ" أَيْ حِين رَجَعُوا وَشَاهَدُوا مَا فَعَلَهُ الْخَلِيل بِأَصْنَامِهِمْ مِنْ الْإِهَانَة وَالْإِذْلَال الدَّالّ عَلَى عَدَم إِلَهِيَّتهَا وَعَلَى سَخَافَة عُقُول عَابِدِيهَا " قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ " أَيْ فِي صَنِيعه هَذَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَوْم إِبْرَاهِيم لَمَّا رَأَوْا آلِهَتهمْ قَدْ جُذَّتْ , إِلَّا الَّذِي رَبَطَ بِهِ الْفَاس إِبْرَاهِيم : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا ؟ إِنَّ الَّذِي فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ! أَيْ لَمِنْ الْفَاعِلِينَ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْله .
الْمَعْنَى لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِيدهمْ وَرَأَوْا مَا أُحْدِثَ بِآلِهَتِهِمْ , قَالُوا عَلَى جِهَة الْبَحْث وَالْإِنْكَار : " مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ " . وَقِيلَ : " مَنْ " لَيْسَ اِسْتِفْهَامًا , بَلْ هُوَ اِبْتِدَاء وَخَبَره " لَمِنْ الظَّالِمِينَ " أَيْ فَاعِل هَذَا ظَالِم . وَالْأَوَّل أَصَحّ لِقَوْلِهِ
مشاركة الموضوع